صارت «السوشيال ميديا» أكبر وسيلة لترويج الأكاذيب، خاصة تلك التي تُروى عن الراحلين. بين الحين والآخر تبرز حكاية، وتصعد إلى المقدمة لتصبح «ترند»، مثل تلك المنتشرة حالياً، التي تقول إن المخرج العالمي، السوري الأصل، الدكتور مصطفى العقاد، صاحب فيلمَي «الرسالة» و«عمر المختار»، أقام في منتصف السبعينات بالقاهرة سهرة للاحتفاء بفيلمه «الرسالة»، الذي لعب بطولته، في النسخة الناطقة بالإنجليزية، أنتوني كوين، وفي النسخة العربية عبد الله غيث. وقد وجّه الدعوة للأبطال وكل الفنيين المشاركين في الفيلم، وأضاف إليهم أيضاً عدداً من كبار الفنانين، من بينهم توفيق الدقن، الذي كان، طبقاً لتلك الرواية، مستاءً وحانقاً؛ لأنه لم يشارك في «الرسالة».
توجّه الدقن مباشرة إلى المائدة التي يجلس عليها العقاد مع بطل الفيلم، أنتوني كوين، وعاتبه بصوت عالٍ، قائلاً: «كيف لا تسند لي دوراً في الفيلم؟». فأجابه العقاد: «أنت تؤدي أدوار الشر، والناس لن تقتنع بك وأنت تلعب دور مسلم طيب من المؤمنين بسيدنا محمد (عليه الصلاة والسلام)». فأجابه: «إذا كنت تخشى على الإسلام من توفيق الدقن، فلماذا لم تمنحني دور أحد الكفار؟ لديك مثلاً أبو لهب».
وأضافوا للحكاية أن العقاد حاول استرضاءه دون جدوى، وغادر الدقن مكان الحفل غاضباً.
كنت أعرف الدكتور مصطفى العقاد، الذي رحل عام 2005 في عمّان، عاصمة الأردن، إثر حادث إرهابي. وبقدر ما كان فناناً قديراً، فإنه كان شخصية مهذبة جداً، لا تسمح مطلقاً بمثل هذه المهاترات. كما أن تلك الحكاية لم تُروَ إلا بعد رحيلهما. أما توفيق الدقن، الذي رحل عن عالمنا عام 1988، فكان شديد الاعتزاز بموهبته، ولا يمكن أن يطلب من أحد ترشيحه لدور، أو يعتب على أحد لأنه لم يُسند إليه دور. قصة مختلقة تماماً، ومن يخترع القصة، أي قصة، عادةً ما يستغل الصورة الذهنية التي تتشكل عادةً من خلال عدد من الأدوار الدرامية التي قدمها الممثل. وقطعاً، كان الدقن أحد أشهر الممثلين الذين برعوا في أدوار الشر، في حين كانوا يطلقون على فريد شوقي «شجيع السينما»، ومحمود المليجي «شرير السينما»، وكان ثالثهما توفيق الدقن يحمل اسمها حركياً «مجرم السينما». وستكتشف مع الأيام أن المتفرج يتعلق أكثر بالفنان الذي يؤدي أدوار الشر، حتى لو حرص في أحاديثه على رفضها، إلا أنه بداخله رغبة للتعبير عن بعض هذا الانحراف، ويتولى عادةً هؤلاء الأبطال الخارجون عن القانون التنفيس عن تلك الرغبات المكبوتة.
سيجد مخترع القصة الوهمية مَن يصدقه ويردد وراءه تلك الكذبة لأنها تُشبه أدوار الدقن، وعادة نحن نشارك لا شعورياً في ذيوع هذه الأكاذيب لأنها محبوكة درامياً، صحيح أننا لو أعملنا العقل قليلاً من السهل جداً أن نكتشف كم هي كاذبة، إلا أننا في تعاملنا مع «السوشيال ميديا» نمنح لعقولنا إجازة. الغريب أن تلك لم تكن القصة الوهمية الوحيدة التي ارتبطت بهذا الفيلم، بل رددوا أيضاً أن بطل النسخة الإنجليزية، الفنان العالمي أنتوني كوين، أثناء تنفيذ «الرسالة»، واستغراقه في قراءة كل ما هو متعلق بالدين الإسلامي، أشهر إسلامه قبل أن ينتهي التصوير. شائعة وجدت أيضاً مَن يرددها، لكن الحقيقة هي أنه غادر الحياة، وتم تشييع جثمانه طبقاً للطقوس الكاثوليكية.
يبقى أن أقول لكم إن المخرج العالمي مصطفى العقاد ظل 30 عاماً بعد «الرسالة» يحلم بتقديم فيلمه عن «القدس»، ولم يعثر على تمويل عربي، ورحل عن الحياة بحلمه المجهض عن «القدس».
