أسواق الأسهم في جميع أنحاء العالم أسواق حسّاسة، وهي ترمومتر اقتصاد أي بلد؛ لذا يمكن قياس متانة اقتصاد أي بلد من عدمه من خلال تتبع سوق أسهمه، وهي تتأثر من أي حدث، ويزداد التأثر كلما كان الحدث جوهرياً؛ لذلك يجب حمايتها لترتفع كفاءتها لتعزيز ثقة الناس بها وليستثمروا بها.
وأسواق الأسهم العربية أسواق ناشئة؛ لذلك فهي أولى بالحماية لخلق ثقة عالية لدى المواطن العربي للاستثمار في الأسهم، فما زال بعض المواطنين العرب البسطاء يرون أن الادخار في الذهب هو أفضل ادخار، ومعهم حق، فالاستثمار في الذهب واحد من قنوات الاستثمار، ولكنه ليس القناة الوحيدة؛ لذلك إذا عززنا الثقة بأسواق الأسهم العربية، خلقنا قناة استثمار وادخار أخرى للمواطن العربي، لا سيما أن معظم الأسواق العربية تسمح للمستثمر الأجنبي بالاستثمار فيها، ومن بينهم المستثمر العربي أياً كانت قيمة استثماره، لا سيما مع سهولة التعامل بهذه الأسواق عبر التقنية.
في السعودية برزت ظاهرة غريبة، هناك تسابق على إدراج الشركات العائلية أو الفردية وطرحها بوصفها شركات مساهمة عامة، وهذا جيد، إذ يطيل عمر الشركة، ويسهل التخارج بين الشركاء، ويوسع قاعدة السوق، والأهم من ذلك يُحقق هدفاً من أهداف هيئة سوق المال، وبكل تأكيد أنا أؤيد هذه الطروحات، ولكن وفق ضوابط صارمة جداً، فمثلاً، كانت الطروحات الأولية في السوق السعودية سابقاً تتم عبر التقييم، ثم أصبحت عبر بناء الأوامر، ولكل من هاتين الطريقتين عيوبها ومزاياها، فقد وجدنا شركات توضح ميزانيات رائعة جداً قبل الطرح، وتشجع على الاستثمار في أسهمها، وبعد الطرح وتداول أسهمها نجدها تظهر ميزانيات غير جيدة، ما ينعكس سلباً على سهم الشركة، فيخسر المستثمرون، ويرون أنهم خُدعوا بالميزانيات السابقة، ما يهز ثقة الناس بالسوق، ويجعلهم يعزفون عن الاستثمار فيها.
وحري بالجهات المسؤولة عن السوق أن تدرس الممارسات العالمية في الطروحات، وتختار منها ما يناسبها، مع تشديد الشروط على المؤسسات المالية والمؤهلين الذين يحصلون على أكبر كمية أسهم من الطرح، مثل عدم البيع قبل سنتين، وهذا يجعل الراغب في الاستثمار يفكر ألف مرة قبل وضع السعر وبناء الأوامر، أو إعادة العمل بنظام التقييم، ومن ثم بناء الأوامر، وتشديد العقوبات على المحاسبين الذين يثبت تلاعبهم بميزانيات الشركات قبل الطرح. المهم البحث عن طرق لجعل الطرح الأولي أكثر كفاءة ليجذب المستثمرين، وليخلق سوقاً كفؤة يثق بها المتعاملون وتجذب المستثمرين الأجانب، فكلما رفعنا الثقة بالسوق انعكس ذلك على التداول، وإذا جعلنا شروط الطرح صارمة منعنا التلاعب، ولم نجعل من الطرح الأولي تجارة رائجة تأتي أرباحها بكل سهولة، ولنفسح الطريق أمام الجادين والصادقين. ودمتم.
