إياد أبو شقرا
صحافي وباحث لبناني، تلقى تعليمه العالي في الجامعة الأميركية في بيروت (لبنان)، وجامعة لندن (بريطانيا). عمل مع «الشرق الأوسط» منذ أواخر عقد السبعينات وحتى اليوم، وتدرج في عدد من المواقع والمسؤوليات؛ بينها كبير المحررين، ومدير التحرير، ورئيس وحدة الأبحاث، وسكرتير هيئة التحرير.
TT

الديمقراطية في إدبار... وخصومها في إقبال

استمع إلى المقالة

من أشهر مقولات الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): «إِذَا كُنْتَ فِي إِدْبَارٍ وَالْمَوْتُ فِي إِقْبَالٍ، فَمَا أَسْرَعَ الْمُلْتَقَى!»...

تذكّرت هذه المقولة الحكيمة وسط الضوضاء التي واكبت كلمات جاكوب كوكسون، الباحث البريطاني المستقيل من شركة «أنثروبيك» للذكاء الاصطناعي، والتي لا أحسب أنه بالغ فيها...

كوكسون قلق من غياب التشريعات المُلزِمة لشركات الذكاء الاصطناعي بمعايير سلامة وأمان واحدة؛ ولذا حذّر من أن هذه التقنية المتقدمة قد تقضي «خلال سنوات قليلة على الجنس البشري»، لا سيما بعد أن تتطوّر قدراتها بحيث تتجاوز مستوى ذكاء مطوّريها وقدراتهم، وهكذا، ينفلت الذكاء الاصطناعي من عقاله ليبدأ مرحلة اتخاذ قراراته بنفسه من دون العودة إلى الإنسان، بل على الرغم من مشيئته.

بالمناسبة، كوكسون ليس حالة استثنائية من العقول التي خبرت الذكاء الاصطناعي، لتتنبّه لاحقاً إلى أن الإنسان يتعامل مع «وحش تكنولوجي» سيهدّد مصير البشرية؛ إذ دُق ناقوس الخطر منذ بدأ تهديد هذه التقنية لأمور عديدة في حياتنا، كالعمالة (الوظائف)، والسياسة – وتحديداً الانتخابات والحَوكمة – ونزاهة القضاء، ومناهج التعليم وأساليبه... إلخ!

ولقد سبق لأحد روّاد الذكاء الاصطناعي، البروفسور البريطاني - الكندي جيفري هينتون، أن أعرب منذ مطلع عام 2023 عن تخوفه من «سرعة تطوّره». وفي ربيع ذلك العام، استقال من منصبه الرفيع في شركة «غوغل»؛ كي يتفرّغ للكلام عن مخاطر الذكاء الاصطناعي، من دون أن ينسى الإشارة إلى أن «جزءاً من شخصه» نادم على عمله في هذا المجال.

من الجوانب التي تطرّق لها هينتون، تحديداً، في لقاءات إعلامية «خطر تجاوز هذه التقنية المتطورة الطاقة المعرفية الاستيعابية للإنسان»، وقال إن أكثر ما فيها إثارة للفزع الـ«تشاتبوت»، وهو البرنامج المُحاكي لكلام البشر صوتاً ونصاً. وفي العامين التاليين، ازداد تشاؤم الرجل إزاء سوء استغلال الذكاء الاصطناعي وتفلّت هذه التقنية من الضوابط. وبالفعل، توقّع بنهاية 2024 أن يتراوح احتمال تسبّبها في نهاية الجنس البشري بين 10 و20 في المائة خلال 3 عقود فقط!

لكن بمعزل عن «البرج العاجي» حيث يقبع - أو لا يقبع - تفكير العلماء، ثمة مُجريات تحدث على الأرض.

فقد استفز كلام جاكوب كوكسون «التريليونير» العالمي إيلون ماسك، أحد أعمق «أوليغارشيي التكنولوجيا» ارتباطاً بالحركات السياسية، بل لعلّه أبرز مموّلي أحزاب اليمين المتطرف على امتداد الديمقراطيات الغربية. وبالفعل ردّ ماسك على كوكسون بقوة؛ ما استدعى ردّاً أقوى من «نقيضه العقائدي» السيناتور الديمقراطي اليساري بيرني ساندرز... على موقع «إكس».

ماسك كان قد اعتبر كلام كوكسون «وقيعة» أو«فخاً»، فردّ ساندرز على طريقة «من فمك أدينك»، أنه سبق لماسك – نفسه – أن قال عام 2014: «مع الذكاء الاصطناعي نحن إنما نستدعي الشيطان!».

ثم في عام 2018، قال: «علِّموا على كلامي، الذكاء الاصطناعي أخطر كثيراً من السلاح النووي، فكيف لا نعتمد إجراءات لقوننته؟!... هذا جنون!».

وحتى في عام 2025، قال إن الأرض تواجه «تهديداً من الروبوتات القاتلة بإفناء البشرية تتراوح نسبته بين 10 و20 في المائة». واختتم ساندرز، سائلاً ماسك «ماذا تغيّر الآن؟... وهل للتغيّر في موقفك استثمارك مليارات الدولارات في الذكاء الاصطناعي، وتخطيطك لتطوير 10 ملايين روبوت سنوياً»؟!

‏بغض النظر عن المواقف السياسية الشخصية، أعتقد أن الذّعر الذي ينتاب الأوساط الواعية في العالم، يشكل تطوّراً إيجابياً في ضوء تخوّف العلماء من المخاطر القاتلة لانفلات الذكاء الاصطناعي.

وهنا تعود بي الذاكرة إلى استخدام أجدادنا، منذ العصور الغابرة، تعبير «إطلاق المارد أو الجنّي من القمقم».

‏هذا فعلاً ما يحدث الآن؛ لكن الفارق أن المارد، أو الجنّي، كان يحتاج إلى مَن يُطلقه مثل حكّ القمقم، في حين تؤشر مخاطر اليوم والغد إلى أنه ما عاد بحاجة إلى مَن يُطلقه... بل سيتصرّف بمزاجه.

أضف إلى ذلك، أن التكنولوجيا الحديثة والمستقبلية، بما فيها الآن الذكاء الاصطناعي، تغلغلت في كل مناحي حياتنا.

نحن اليوم محاطون بـ«خوارزميات» من كل الأنواع والتخصّصات. حتى بات من يملكون وسائل «المعرفة»، تنصّتاً أو تجسّساً أو تصويراً أو تجميعاً أو تحليلاً... يعرفون عن كل فردٍ منا أكثر ممّا يعرف هذا الفرد عن نفسه...

ومبلغ علمي، أن ثمة شركات تجاوزت منذ بعض الوقت «التعرّف» على الناس عبر «المسح الوجهي»، واقتربت – إن لم تكن قد وصلت حقاً – إلى «مسح النيّات» والتوقّع المُسبق لردّات الفعل...

عند هذه النقطة، أي قيمة تظل لاستطلاعات الرأي وتحليلها، إذا كان العبث بها أسهل من شرب الماء؟... وأي أمل يبقى بالتغيير في وجود «تحالف استراتيجي» بين الراديكالية اليمينية وأرباب المال وأساطين التكنولوجيا المتطورة؟

تأكيداً على ذلك، وبالإضافة إلى دور ماسك في دعم القوى المتطرّفة على امتداد أوروبا، كُشف أمس فقط عن تبرّع اثنين من مليارديرات «العملات المشفرّة» - بالتساوي - بـ72 مليون جنيه إسترليني لحزب الإصلاح البريطاني!