عبدالله بن بجاد العتيبي
كاتب سعودي مهتم بالحركات الإسلامية والتغيرات في الدول العربية، وله عدة مؤلفات حول ذلك منها «ضد الربيع العربي» وله أبحاث منها: «القابلية للعنف والقيم البدوية»، نشر في 2006. و«السرورية» 2007. و«الولاء والبراء، آيديولوجية المعارضة السياسية في الإسلام» 2007. و«الإخوان المسلمون والسعودية الهجرة والعلاقة» 2010. قدم عدداً من الأوراق البحثية للعديد من مراكز الدراسات والصحف. شارك في العديد من المؤتمرات والندوات، وهو خريج جامعة المقاصد في بيروت في تخصص الدراسات الإسلامية.
TT

11 سبتمبر... دروس ربع قرنٍ

استمع إلى المقالة

كانت جريمة الحادي عشر من سبتمبر 2001 جريمةً كبرى، قادها تنظيم شرير هو «تنظيم القاعدة» الذي انقلب كلياً على كل داعميه سابقاً فيما كان يُعرف بالجهاد الأفغاني في الثمانينات من أميركا إلى حلفائها في المنطقة، وليقلب لهم جميعاً ظهر المجنّ وينقل ولاءه الكامل للنظام الإيراني، كما فعلت من قبل ومن بعد كل جماعات الإسلام السياسي السني وتنظيماته العنفية مثل تنظيم «داعش».

بثت منصة «نتفلكس» مؤخراً وثائقياً مهماً يعبر عن ذكريات الأجيال التي عاشت بعد تلك الحادثة التاريخية، تحت عنوان «نقطة التحول: جيل ما بعد 11 سبتمبر»، وعلى مدى تلك العقود أصدر الغرب عشرات الوثائقيات والأفلام والمسلسلات التي تستطيع أن تصل لكل الناس حول العالم، ولكن لأننا ما زلنا متخلفين حقاً عن الإنتاج المهم والمؤثر فإننا لا نساوي شيئاً بالنسبة لهم، مع أن القصة تعنينا أكثر منهم بكثير وتعني أجيالنا الناشئة ومستقبلنا بأسره، إنتاجنا شحيح ومؤسساتنا نادرةٌ والاهتمام بهذا كله شبه معدوم.

في 1990 كان كاتب هذه السطور في السجن، وهو لم يبلغ العشرين من عمره، وكان غارقاً في الأفكار الصحوية المسمومة، كشابٍ عاصرها وعاصر انتشارها والدعم اللامحدود لها، وكتب مع صديقين له في السجن أبياتاً شعريةً تحاكي فولكلوراً نجدياً معروفاً وتحوّر كلماته لمعانٍ صحويةٍ متطرفةٍ، وبعد ذلك بأكثر من عقدٍ من الزمان وفي حين كانت أفغانستان تتهيأ لاستقبال حربٍ أميركية وشيكةٍ، تلقى اتصالاً من أحد أصدقائه يخبره بأن يشاهد إحدى القنوات الفضائية الآن الآن، وعندما شاهدها وجد مجموعةً من عناصر التنظيم يرددون أبيات ذلك «السامري» الذي كتبه ملحنةً في سهوب قندهار، وكان هو ويا للمفارقة وقتها لا يدع وسيلةً إعلاميةً يستطيع الوصول إليها إلا وخرج فيها للتحذير من هذه التنظيمات والجماعات.

بعد ذلك جاءت ردة الفعل الأميركية وكانت تاريخيةً وكان يمكن التنبؤ بها بسهولةٍ قبل تنفيذ العملية، ولكن الإرهابيين لا يعقلون، وهكذا سقطت دولتان عربيتان ومسلمتان هما العراق وأفغانستان، وتغيرت قواعد اللعبة كثيراً في المنطقة وفي العالم، والذي يتضح بجلاءٍ بعد ربع قرنٍ أن أحداً لم يخدم المتطرفين في الغرب كما فعلت جماعات الإسلام السياسي وتنظيمات العنف الديني، التي ظلت على مدى عقودٍ تخدم مشاريع التطرف في الغرب وتقدم لها المبررات التي تحتاجها في كل مرحلةٍ تاريخيةٍ مختلفةٍ.

ما صنعته «القاعدة» في 11 سبتمبر 2001 لا يختلف عما صنعه «حزب الله» بلبنان، وهما تعبير عن زمن من التيه في الرؤية والتحليل والنتائج، وتبعيةٍ عمياء لمحورٍ بات يلفظ أنفاسه الأخيرة.

لتفادي مواجهة حقائق ما بعد 11 سبتمبر الكارثية، اخترنا اللجوء للحديث عن النهايات، فصرنا مولعين بـ«نهاية الإرهاب» و«نهاية الصحوة» و«نهاية» كل ما لا نحب، والحديث عن «النهايات» محفزٌ فعليٌ للتوقف عن أي إجراء احترازيٍ ضدها، وكيف يمكن للأفراد والمجتمعات والدول أن تحترز مما قد انتهى؟ إن حديث النهايات هو تصريحٌ معلنٌ بالتوقف عن التفكير ورصد المخاطر.

خديعة المفاهيم والمصطلحات تجعل الناس تنجرف وراء أمانيها وأحلامها ومشاريعها العملية الناجحة بعيداً عن أي احترازاتٍ يوجبها العقل أو حذرٍ يفرضه منطق التاريخ، والمولعون بالحاضر والآني واللحظي محقون تماماً في سعيهم للإنجاز والنجاح، ولكنهم مخطئون بالقدر نفسه في إغفالهم لما يستحق الانتباه وما هو جديرٌ بالعناية والرعاية.

دون الغوص في الماضي القريب والبعيد ودون استحضار حروبه وصراعاته وتوازنات قواه فإننا لن نستطيع التعامل مع الحاضر فضلاً عن بناء المستقبل.

يمكن لغير المتابع أن يقارن في معيار «الصبر الاستراتيجي» بين الرئيس الأميركي الأسبق أوباما وبين إيران الحالية، ففي فبراير (شباط) 2015 كتب كاتب هذه السطور مقالاً بعنوان «أوباما (الصابر) الاستراتيجي» وتحت الضغط الرهيب الذي تتعرض له إيران في هذه الحرب مع أميركا فقد بدأت بعض الأطراف في إيران تتحدث عن «الصبر الاستراتيجي» وما ينبغي الانتباه له أن الخميني ورّث الآيديولوجيا بينما خامنئي ورّث ابنه «مجتبى» بمعنى الانتقال القوي من الثورة الإسلامية إلى الإمبراطورية.

أميركا كدولة عظمى لديها استحقاقات داخلية وخارجية، وهي مقبلة على انتخابات قريبة للكونغرس وانتخابات رئاسية بعد عامين، وإيران تراهن على أن جلدها وصبرها الاستراتيجيين قادران على قلب كل معادلات القوة.

أخيراً، فدروس ربع قرنٍ جديرةٌ بالقراءة والتمعن، وقد كتب غوته الشاعر الألماني الحكيم يوماً «الذي لا يعرف أن يتعلم دروس الثلاثة آلاف سنة الأخيرة، يبقى في العتمة».