يدور السجال في لبنان حول الفراغ الذي قد يخلفه انتهاء مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل). غير أنَّ السؤال الأجدى ليس ما إذا كان ينبغي إبقاء هذه القوات أو استبدال قوة مشابهة بها، بل ما إذا كان لبنان مستعداً للانتقال من إدارة النزاع إلى معالجة أسبابه: سلاح «حزب الله» خارج سلطة الدولة وقرار الحرب والسلم واستمرار النزاع مع إسرائيل.
أُنشئت «يونيفيل» عام 1978، إثر الاجتياح الإسرائيلي للجنوب، للتأكد من انسحاب القوات الإسرائيلية والمساهمة في استعادة السلم والأمن الدوليين، ومساعدة الحكومة اللبنانية على بسط سلطتها. لكنها بدأت مهمتها وسط حرب أهلية وصراع متواصل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، ثم «حزب الله»، وفي ظل دولة عاجزة عن السيطرة على جنوبها.
لم يمنع وجودها إسرائيل من اجتياح لبنان والوصول إلى بيروت عام 1982، لكن ذلك لا يكفي للحكم بفشلها، لأن تفويضها لم يجعل منها قوة قتالية قادرة على صد اجتياح أو فرض السلام بالقوة. وبعد الانسحاب الإسرائيلي من معظم الجنوب في مايو (أيار) 2000، انكشفت المشكلة التي ستلازمها: انتهى الاحتلال في القسم الأكبر من المنطقة، لكن الدولة لم تصبح صاحبة السلطة الأمنية والعسكرية الوحيدة، فيما احتفظ «حزب الله» بسلاحه ووسع قدراته.
أظهرت حرب يوليو (تموز) 2006 قصور الصيغة القائمة، فصدر القرار 1701 الذي وسّع مهمة «يونيفيل» ورفع عديدها إلى 15 ألف عنصر، قبل خفضه لاحقاً. وأصبحت مكلفة بمراقبة وقف الأعمال العدائية ومساندة الجيش اللبناني في انتشاره والمساعدة في جعل المنطقة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خالية من أي سلاح أو قوات مسلحة، باستثناء الدولة اللبنانية و«يونيفيل». كما خُوّلت استخدام القوة من دون أن تتحول إلى جيش مكلف بنزع سلاح «حزب الله».
لذلك، لا يصح اختزال فشلها في عدم نزع سلاح الحزب، لأن هذه المهمة لم تُسند إليها أصلاً. الفشل الفعلي أن وجودها لم يمنع تحول منطقة عملياتها إلى نطاق عسكري واسع، ولم يمكّن المجتمع الدولي من كشف حجمه مبكراً أو فرض تنفيذ القرار 1701. وأعطت تقاريرها وحضورها الكثيف انطباعاً زائفاً بوجود رقابة دولية جدية، فيما كانت الأزمة تتفاقم وبنية الحزب العسكرية تتوسع.
لا تتحمل «يونيفيل» المسؤولية وحدها. فقد امتنعت الحكومات اللبنانية المتعاقبة عن تنفيذ التزاماتها، وتجنبت الدول المشاركة الاحتكاك مع الحزب خشية تعريض جنودها للاعتداء أو الخطف والقتل. وفي المقابل، واصلت إسرائيل احتلال أراضٍ لبنانية وانتهاك السيادة والقرار 1701، واستهدفت خلال الحروب مواقع للأمم المتحدة وعرضت جنودها للخطر.
بلغ التناقض ذروته مع حرب إسناد غزة عام 2023، ثم حرب إسناد إيران عام 2026: آلاف الجنود الدوليين موجودون في الجنوب، لكنهم عاجزون عن منع الحرب أو حماية المنطقة من الاحتلال والدمار. وتحول وجودهم، بصورة غير مقصودة، إلى غطاء يوحي بأن النزاع مضبوط دولياً، فيما كانت شروط انفجاره تتراكم.
ستنهي «يونيفيل» عملياتها في 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، على أن يبدأ بعدها انسحاب منظم لا يتجاوز سنة، فيما يستمر القتال بين إسرائيل و«حزب الله» بالتزامن مع مفاوضات غير مسبوقة بين لبنان وإسرائيل. فهل يؤدي انسحابها إلى فراغ أمني؟ ولماذا الإصرار على بقائها أو استبدال قوة أخرى بها بعد تجربة فاشلة امتدت 48 عاماً وشهدت أربع حروب، فضلاً عن عودة الاحتلال الإسرائيلي؟
لا شك في أن وجود «يونيفيل» وفر فوائد اقتصادية للجنوبيين وأمن حضوراً دولياً مهماً وأدى أدواراً إنسانية واتصالية. كما دفعت القوة ثمناً بشرياً باهظاً، مع تعرضها لمئات الحوادث والاعتداءات الموثقة منذ نشأتها ووفاة نحو 350 من أفرادها، وإن لم تكن جميعها ناجمة عن الحروب والاعتداءات. لكن أهمية هذا الحضور لا تلغي محدودية حصيلته الاستراتيجية. فالبنى التحتية والأنفاق ومخازن السلاح والمنظومات القتالية التي أنشأها «حزب الله» تكشف أن الرقابة الدولية لم تمنع تحويل جنوب الليطاني إلى نطاق عسكري خارج السيطرة الفعلية للدولة.
وأسهمت في هذا العجز قيود التفويض والعوائق المفروضة على حركة الدوريات وتباين مصالح الدول المشاركة وحرصها على تجنب مواجهة تعرّض جنودها للاعتداء أو الاحتجاز، ما جعلها أكثر حذراً في مساءلة «حزب الله».
ليس انسحاب «يونيفيل» ما يصنع الفراغ الأمني، لأنه قائم أصلاً بسبب غياب الدولة. لبنان بحاجة اليوم إلى مقاربة مختلفة تقوم على تقوية الجيش اللبناني وربط الانسحاب الإسرائيلي بخطة لحصر السلاح بيد الدولة وإنشاء آلية رقابة فاعلة برعاية أميركية - دولية تراقب الالتزامات ولا تحل محل الجيش، وهذا ما قد يتيحه اتفاق الإطار مع إسرائيل. أما الإتيان بقوة تحمل اسماً مختلفاً وتعمل بالقيود نفسها فليس حلاً، بل تمديد لسياسة الالتفاف على المشكلة. لقد حان الوقت لتنفيذ اتفاق الإطار نصاً وروحاً وإنهاء الحاجة إلى قوات دولية، لا البحث عن قوة جديدة تفصل بين أطراف تستعد للحرب المقبلة.
