حكاية «التنمّر» على الشابّ الريفي السوري وسيم الحمام التي شغلت مسارح الميديا والسوشيال ميديا، داخل وخارج سوريا، الفترة الأخيرة، تستوجب التأمّل فيها مليّاً.
رجل جاء من الحسَكة أقصى شمال شرقي سوريا، إلى مدينة دمشق، العاصمة التاريخية، لتلقّي العلاج، والتقط صورة تذكارية أمام نصب السيف الدمشقي في ساحة الأمويين، مرتدياً لباساً شعبياً (ثوب أو دِشداشة أو جلّابيّة).
الصورة لابن الحسَكة، صورة نمطية لريفيّ يريد تخليد هذه اللحظة التي يزور فيها العاصمة، «الشام»، وهذا اسم دمشق الشعبي، مثلما هو اسم «مصر» للقاهرة، وفي هذه التسمية دلالة عميقة.
غيرَ أن الصورة لقيت حماسة جارفة من المُعلقّين السوريين، بين ساخرٍ من وسيم ولبسه الريفي في قلب دمشق، ومدافعٍ عنه وعن لبسه وإقليمه وثقافته وقومه، فهو في النهاية مواطنٌ سوري مثل أي دمشقي أو حلبي أو حمصي.
التفاعل فتح نقاشاً أوسع حول التنمّر والمناطقية والطبقية في المجتمع السوري.
الحكومة ومن معها بادروا للدفاع عن وسيم الحسَكي، وعرضت «المؤسسة العربية» للإعلان التابعة لوزارة الإعلام السورية صورة وسيم الحمام على شاشة كبيرة في ساحة الأمويين، مرفقة بعبارة «ابن الحسَكة... نوّرت الشام».
رئيس الأمن الداخلي في بلدته بمحافظة الحسكة كرّم الحمام بعد حملة التنمر التي تعرض لها، وكان ذلك في منشور على «فيسبوك».
هذا فعلٌ حميدٌ من الحكومة التي من واجبها حماية كل الطوائف والشرائح السورية التي هي في النهاية التمثيل النهائي للهُويّة السورية الجامعة.
ثقافة الجزيرة الفراتية مثل ثقافة الأكراد مثل ثقافة «الشوايا» مثل ثقافة أبناء الجبال، العلوية والدرزية، مثل أبناء حلب وحماة وحمص وإدلب واللاذقية وأرياف دمشق التاريخية (دوما وحرستا... إلخ) مثل درعا وحوران، مثل الجولان، مثل البوادي السورية العريقة من غرب الفرات إلى بادية حمص، وما بينهما... إلى دمشق (الشام)، بحاراتها العريقة من الميدان والصالحية إلى باب توما.
كل هذه الألوان هي: سوريا اليوم، وسوريا الأمس، فمن هذه الجغرافيا كان الوجود السوري عبر التاريخ، ومنها فاضت الأسر والعشائر إلى لبنان والأردن وفلسطين ومصر وغيرها.
ولتعميم هذه الحالة والروح الجميلة التي حصلت مع ابن الحسَكة، يجب جعل هذه الروح سياسة ثابتة وشِيمة دائمة، وقانوناً حاكماً، يشمل كل الشرائح، بلهجاتها وملابسها وذاكرتها وثقافتها، من دون استثناء، لا ديني ولا مناطقي ولا مذهبي ولا قومي ولا اجتماعي ولا فكري.
يستوي في هذا الدرزي مع العلوي مع المسيحي مع الكردي مع العربي مع الحضري مع البدوي مع الأصولي مع العلماني مع السلفي مع الصوفي مع المرأة مع الرجل.
حتى تصبح حكاية وسيم الحسَكي نقطة انطلاق جامعة، وليست ومضة «سوشيالية» عابرة.
