سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

خوذ الأحباء في النبطية

استمع إلى المقالة

دخل الجيش اللبناني أخيراً مدينة النبطية الجنوبية قبل أن تتحول كلها رماداً تحت القصف الإسرائيلي. أي أن الجيش هو آخر من «سُمح» له بممارسة واجبه الذي كان محظوراً عليه في الصراع بين «حزب الله» والاحتلال الإسرائيلي الدائر منذ ثلاث سنوات.

يسمي اللبنانيون هذه الحروب في دورهم وديارهم نزاع السيادة. وبكل جدية وصدق. ولا أعتقد أن في العالم بلداً تنازل عن سيادته، طوعاً وإكراماً، مثل بلدكم العزيز. تنازل اللبنانيون سراً وعلناً، بتوقيع الحكومات وإقرار البرلمانات، وارتضوا دور المحكوم والمذل، مرة باسم الأخوة مع فلسطين، ومرة الأخوة مع سوريا، وكان ضابط الحكم السوري يعامل السياسيين اللبنانيين ما بين المسخرة والإهانة الدائمة.

الآن، أفاق اللبنانيون على فقيد قديم قد يدعى السيادة. يتذكرون كيف كان مطار بيروت مملوءاً بملصقات أبو عمار. ثم الرئيس حافظ الأسد وأفراد العائلة. ثم دبابات الجيش العربي السوري. ولا صورة أو ملصق أو تحية لزعيم لبناني إلا كان مصافحاً الزعيم السوري الكفيل.

اعتاد اللبنانيون هذا الغياب لما تسميه الشعوب «السيادة» حتى نسوه تماماً. الجيش هو آخر من يُسمح له أن يدخل أرضه. وقد يمنعه اثنان: إما الاحتلال الإسرائيلي، أو سلطة «حزب الله». أما الدولة اللبنانية، فنعرف بالإيماء متى يُسمح لها ممارسة سيادتها ومتى يمنع عليها التحقيق في نسف مدينة بيروت، ومتى يُسمح لها التحقيق في اغتيال رئيس جمهورية يوم الاحتفال بالاستقلال ومعه السيادة.

قبل أن يصل الجيش اللبناني إلى النبطية لكي يحمي أهاليه، كان الجنوب قد أُحرق والاحتلال قد اقتطع ما هو «ضروري لأمنه».

في المبدأ البديهي، كان من المفترض أن يكون الجيش في كل بقعة. لكن يبدو أن ثلاثية «جيش وشعب ومقاومة» تستثني وجوده.

ثلاثية النبطية واحدة من رباعيات أو ثلاثيات لبنان، الذي عندما تخلى عن سيادته ذات مرة لم يكن يدري عدد الذين يطالبون بها.