في النقاش اللبناني الطَّويل حولَ الحياد، غالباً ما يبدأ السؤال من الخارج: هل يستطيع لبنانُ أن يكونَ محايداً في منطقة مشتعلة؟ وهل يمكن لدولةٍ صغيرة تقع وسطَ صراعات إقليمية ودولية متشابكة أن تنأى بنفسِها عن المحاور؟
لكن ربَّما يكون السؤالُ الأهم مختلفاً تماماً: هل يملك لبنان، أولاً، دولةً قادرة على اتخاذ قرار الحياد؟ هذه الفكرة كانت في صُلب مداخلتي خلالَ ورشة العمل حول الحياد التي نظمتها جامعة القديس يوسف، في مركز فيليب سالم للدراسات السياسية اللبنانية، يومي 29 و30 يوليو (تموز) 2026.
ليس الحيادُ مجردَ خيار في السياسة الخارجية، ولا شعاراً يمكن رفعه في مواجهة الانقسامات اللبنانية. إنَّه، قبل أي شيء آخر، مسألةٌ مرتبطة بطبيعة الدولة نفسها: بالسيادة، وبوحدة القرار، وبقدرةِ المؤسسات على تحديد الخيارات الاستراتيجية وتنفيذها.
المشكلة اللبنانية لم تكن يوماً في إقامة علاقات مع الخارج. فلا دولة تستطيع أن تعيش في عزلة، ولبنان، بحكم موقعه وتاريخه وطبيعته الاقتصادية، يحتاج إلى شبكة واسعة من العلاقات العربية والدولية. المشكلة تبدأ عندما تتحول العلاقات الخارجية إلى ارتباطات سياسية وأمنية تجعل البلد جزءاً من صراعات تتجاوز قدرته. عندها لا يعود لبنان دولة تدير علاقاتها، بل يصبح مساحة تُدار فوق أرضها علاقات الآخرين وصراعاتهم. وهنا تحديداً يكتسب الحيادُ معناه الحقيقي.
فالحياد لا يعني أن يكون لبنانُ بلا موقف، ولا أن يتخلَّى عن هُويته العربية، ولا أن يصمتَ أمام الحروب أو يتنصَّلَ من مسؤولياته الإنسانية والأخلاقية. الدَّولةُ المحايدة تستطيع أن تدينَ العدوان، وأن تدعمَ القانون الدولي وحقَّ الشعوب في تقرير مصيرها، وأن تشاركَ في الجهود الدبلوماسية والإنسانية. أجل، هناك فارقٌ بين الموقف الأخلاقي والمشاركة في الحرب.
يمكن للدولة أن تقولَ ما تؤمن به، وأن تدافعَ دبلوماسياً عن المبادئ التي تراها عادلة، دون أن تتحوَّلَ إلى طرف عسكري في صراعات الآخرين. وهذا هو الفارق الجوهري بين الحياد الأخلاقي والحياد السياسي: الحياد لا يلغي المبادئ البتة.
ومن هنا، تأتي فكرة «الحياد الإيجابي والفاعل»، لا باعتباره انسحاباً من العالم، بل باعتباره طريقةً مختلفة للحضور فيه. حياد يقوم على احترام التزامات لبنانَ العربية والدولية، ورفض تحويل أراضيه إلى ساحة للنزاعات، وتكريس الدولة باعتبارها المرجعيةَ الوحيدة للقرارات السيادية، ولا سيما في مسائل الأمن والسياسة الخارجية. لكنَّ المشكلةَ أنَّ الحيادَ لا يمكن أن يولد بقرار إداري أو بخطاب سياسي.
تجارب الدول التي اختارت الحياد تؤكد أنَّ هذا الخيار يحتاج إلى أكثرَ من إعلان؛ يحتاج إلى مؤسسات قوية، وإجماع داخلي، وسياسة خارجية قادرة على تأمين الاعتراف والاحترام الخارجيَّيْن. فالحياد ليس هديةً تقدمها القوى الكبرى إلى الدول الصغيرة، بل نتيجة قدرة الدولة على حماية موقعها وإقناع الآخرين بأنَّ احترام حيادها يخدم الاستقرار. وهنا يظهر التَّحدي اللبناني بأبعاده الحقيقية.
لبنانُ ليس جزيرةً معزولة عن المنطقة. إنَّه في قلب صراعات تتداخل فيها حساباتُ إسرائيلَ وإيرانَ وتركيا والولايات المتحدة وقوى أخرى. ولكل من هذه القوى مصالحُها ونظرتها إلى لبنان. ولذلك، فإنَّ إعلانَ الحياد من الداخل لا يكفي إذا بقيَ لبنانُ ضعيفاً عاجزاً عن فرض سيادته، أو غير قادر على التحدث إلى العالم بصوت واحد. وعندما تتعدَّد مراكز القوة، يتعدَّد معها القرار، فيصبح القرارُ الاستراتيجي موزَّعاً بين مؤسسات رسمية وقوى أخرى، وتصبح السيادةُ نفسها ناقصة. لهذا، تبدو العبارة التي تختصر جوهر النقاش واضحة: الدولة التي لا تحتكر قرار الحرب، لن تستطيع احتكار قرار السلام، وبالتالي لن تستطيع أن تحتكر قرار الحياد.
إنَّ استعادةَ الدولة لاحتكار القرار ليست قضية تخصُّ فريقاً سياسياً ضد آخر، بل هي الشرط الأول لقيام دولة حديثة. فقرارُ الحرب والسلم ليس مجرد قرار أمني؛ إنَّه القرار الأكثر ارتباطاً بمصير المجتمع ومستقبل الدولة. ومن الطبيعي أن يصدرَ عن المؤسسات التي تمثل الإرادة الوطنية الجامعة والشرعية.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري أيضاً إعادةُ النظر في مفهوم الأمن الوطني؛ فالأمن ليس فقط عدد الجنود والأسلحة. الأمن يعني أيضاً حماية المجتمع والاقتصاد والاستقرار السياسي. ويعني، بالنسبة إلى لبنان تحديداً، القدرة على منع تحويل أراضيه إلى ساحة لحروب الآخرين.
الدولُ الصغيرة لا تستطيع تغييرَ موازين القوى في العالم، لكنَّها تستطيع أن تديرَ نقاط ضعفها بذكاء، وأن تخفّفَ من تكلفة الصّراعات المحيطة بها، وأن تحوّلَ موقعها الجغرافي من مصدر تهديد إلى مصدر قيمة.
لهذا فإنَّ الحياد، في هذه المقاربة، ليس علامة ضعف، بل قد يكون أحد أكثر الخيارات السياسية قوة؛ لأنَّه يفترض دولة تعرف مصالحَها، وتحدد أولوياتِها، وتملك القدرةَ على مقاومة الضغوط التي تدفعها إلى الانخراط في صراعات لا تخدمها. إنَّ الحمايةَ الحقيقية لا تأتي من الاحتماء بالخارج، بل من بناء دولةٍ يشعر فيها كلُّ مواطن بأنَّ القانون يحميه كما يحمي غيرَه، وأنَّ الدولة ليست ملكاً لطائفة أو جماعة أو حزب، بل إطاراً جامعاً للجميع.
لهذا، فإنَّ الحياد ليس نقطة البداية في الأزمة اللبنانية. إنَّه نتيجة. لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإصلاح، ولا وصفة سحرية تعالج ضعف المؤسسات والانقسامات الداخلية وتعدد مراكز القوة؛ فقبل أن يسأل لبنان إن كان يستطيع إعلانَ الحياد، عليه أن يسأل نفسَه إن كان قادراً على بناء الدولة التي تجعل هذا الحياد قابلاً للحياة والاستمرار.
وهنا يقف لبنانُ أمام خيارين؛ إمَّا أن يبقى أرضاً تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين، وتُدار مصائرُه وفق حسابات القوى الإقليمية والدولية، وإمَّا أن يستعيدَ موقعه بوصفه دولةً تحدد مصالحها بنفسها وتصوغ سياستها الخارجية وفق أولوياتها الوطنية. فالحياد ليس تخلياً عن دور لبنان، بل هو، في الواقع، استعادة لهذا الدور.
* نائب في البرلمان اللبناني
