د. عبد المنعم سعيد
عضو مجلس الشيوخ المصري حالياً، ورئيس مجلس إدارة «مؤسسة المصري اليوم» الصحافية في القاهرة، ورئيس اللجنة الاستشارية لـ«المجلس المصري للدراسات الاستراتيجية»، وسابقاً كان رئيساً لمجلس إدارة «مؤسسة الأهرام» الصحافية، و«مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية»، و«المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية»، وعضو مجلس الشورى المصري. كاتب في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ عام 2004، و«الأهرام» و«المصري اليوم»... وعدد من الصحف العربية. أكاديمي في الجامعات والمعاهد المصرية، وزميل زائر في جامعة «برانديز» الأميركية، ومؤلف للعديد من الكتب.
TT

غير المفهوم في حروب الشرق الأوسط

استمع إلى المقالة

منذ نحو ثلاثة أعوام، وبالتحديد منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والزلازل والأعاصير تلمّ بالعالم، والأكثر أهمية بالنسبة إلينا ما يحدث في الشرق الأوسط. حيث لم تعد فيها حروب مربكة فقط؛ وإنما «مُربكات» لم يكن متوقعاً أن يكون لها هذا التأثير، والمصحوبة بسحب هائلة من عدم اليقين. فكيف يمكن لأيٍّ كان من العلماء والمحللين أن يناقشوا موضوعاً بينما هو لا يزال في مرحلة التخمر والتغيير، وعلى الأغلب يجري عليه ما يحدث للصفائح الأرضية ساعة زلزال يلمّ بالكوكب. على الأغلب إننا سوف نكون في حالة الأعمى الذي يريد قياس أبعاد مكعب الثلج بينما هو يذوب بين أصابعه.

الحروب والثورات بحكم التعريف ساخنة، ودموية، ومملوءة بالمفاجآت التي تدهشنا ساعة البداية؛ ثم نفاجأ مرة أخرى ساعة النهاية المفاجئة. الأرجح أن كل ذلك يحدث لأننا في النهاية بشر، وعاصرنا حركات اجتماعية، وقيادات لها خصائصها المدهشة. في الماضي الذي ليس ببعيد فوجئنا بثورات أوروبا الشرقية؛ تماماً كما حدث مع ما سمي «الربيع العربي» الذي كان صعباً تخيله في مجال الشرق الأوسط، حيث الربيع قصير في وقت الرمال ساخنة تعصف تمهيداً لصيف طويل بعد شتاء قصير. الآن أصبحنا في عقد آخر، ومع ذلك فإن حروب غزة امتدت إلى خمس، ورغم هدوء نسبي تحت أجنحة «مجلس السلام» فإن الدوائر المحيطة ساخنة في لبنان وسوريا، وهي ممتدة إلى واقع متدهور في الضفة الغربية تحت الوصاية الجائرة لوزير الأمن الإسرائيلي إيتمار بن غفير؛ وحرب الخليج الرابعة تتراوح بين السخونة والبرودة، وبين السعي إلى الحرب وتصعيدها؛ والهدنة التي لا تعطي حلاً وإنما مجالاً لاستئناف أكثر قسوة في القتال؛ ولا يبدو لها بالأفق ما ينم عن الإرهاق الذي يقدَّم لوقف القتال. الابتكارات في أدوات العنف باتت كبيرة ومتجددة سواء لدى دول أو جيوش أو ميليشيات باتت جزءاً من الصورة المعقدة.

في مقالات سابقة أشرنا إلى جماعة الدول التي سعت إلى التحديث والحداثة مستعينةً بوطنيتها في دولة وطنية ولها مشروع و«رؤية» مشروطة بزمن؛ وهذه «تعضّ بالنواجذ» على تحقيق الاستقرار الإقليمي مع الحفاظ على قدراتها. هذه الدول سعت سعياً جاداً لمنع الحرب أو التقليل من عنتها وعدوانيتها أو تأخير نشوبها؛ ولكن المعضلة هي التقلب الشديد في الأطراف المتقاتلة.

الغموض والتقلب والتعقيد جميعها يدور على شخصيات لديها القدرة على اتخاذ القرار. وفي علم العلاقات الدولية فإن هناك ثلاث دوائر يدور حولها التشخيص واحتضان الحقيقة: أولاها «النظام الدولي ومدى توتره وعدائيته»، وهذه تنغمس فيها الولايات المتحدة في الحرب الإيرانية، بينما روسيا تنغمس هي الأخرى في حرب أوكرانيا، أما الصين فهي شاخصة بعيداً، ودبلوماسيتها اقتصاد وأسواق وصمت في زمن الحرب. هي تقدم نموذجاً جديداً للقوة العظمى التي تنتظر كثيراً، وتؤمن بالوقت نفسه بالمثل الشائع أن «صبر القاتل على المقتول قد يوفي بوفاته». وفي وقت من الأوقات انهار الاتحاد السوفياتي؛ وربما آن الأوان للقطب المعادي أن يراود نفسه. وثانيتها النظام الإقليمي الذي خرجت منه عشر دول لا تزال تخوض حروباً أهلية، أو تحلق على أعتابها؛ وجميعها خرج من رداء الدولة الوطنية عندما حملت الميليشيات السلاح وطرحت نفسها بديلاً عن الجيش الوطني.

وثالثتها القيادات التي عليها في النهاية اتخاذ القرار بعد رصد أهداف قومية، وصنع استراتيجية كفيلة بالوصول إلى هذه الأهداف الممكنة القياس في القدرة والزمن. ورغم بُعد الشُّقَّة والمسافة بين أميركا وإيران، فإن الخرائط الذهنية تتباعد بُعد السماء عن الأرض؛ وبينما توجد في واحدة منها رائحة أسواق بورصات نيويورك؛ فإن الثانية مغلفة تماماً بأحلام «الحرس الثوري» الإيراني مشفوعا بآيات سماوية. إذا كان هناك ما يجمع فهو التقلب والانقلاب؛ بينما الأهداف الاستراتيجية التي تليق بمشاريع كبرى تجاه الشرق الأوسط تتغير على مدار الساعة. القاعة الشرق أوسطية هنا مزدحمة بأشخاص مؤثرين في غوايتهم للتأثير في التاريخ؛ بينما واقعها يأخذ بها وعالمها إلى ما وراء كوكب الاستقرار والرخاء. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامبن نتنياهو اغترف كثيراً من كتب العنصرية والكراهية.