بعد أربعة أيام تحل الذكرى الخامسة والعشرون لهجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول). أتذكر حينها حجم الدهشة التي أصابت الجميع، ومن ثَمَّ كيف انسدلت المواقف؛ كلُّ بحسبه؛ من نظرية المؤامرة إلى الأقاويل المعروفة.
تم ترسيم الحدث كأيقونة عنف استثنائية اخترقت قلب النظام العالمي المتمثل في الولايات، لكن لاحقاً بدأت حرب طويلة تجاه الإرهاب؛ في محاولة لملاحقة المسؤولين عن الحدث دون الفكرة، ومع رمزية برجَي التجارة كان الأثر الأكبر فيما يخص باقي الألم هو النظام السياسي والاستراتيجي الذي وُلد من ركام وأنقاض البرجين، حيث أعاد العالم ترتيب أولوياته الأمنية من زاوية الخوف من تكرار ما حدث وتقديم القدرة العسكرية على كل ما عداها للتعامل مع الأزمة.
والحال أن الصدمة الأميركية كانت مفهومة ومبرَّرة من زاوية الأميركيين الذين تبدى لهم ما حدث كانهيار لفكرة الأمن الجغرافي التي حمت الولايات المتحدة طويلاً وأكسبتها طمأنينة تجاه الاستهداف، لكن ما حدث لاحقاً من سلوك كان أيضاً متوقعاً كعادة الدول الكبرى في البحث عن استعادة الهيبة عبر رد سريع يتصدر شاشات الأخبار كما الحدث نفسه، لإثبات أن القوة ما زالت قادرة على العقاب. ولهذا كان التدخل في أفغانستان، لإسقاط حكم «طالبان» الذي وفَّر لـ«القاعدة» ملاذاً آمناً، مفهوماً من الناحية السياسية والأمنية.
الانتقال من أفغانستان إلى العراق غيَّر المعادلة والنظر إلى الأزمة، إذ لم تعد ملاحقة تنظيم «القاعدة الذي ارتكب حماقة كبرى ما زالت تداعياتها موجودة إلى يومنا هذا. بل في توظيف الصدمة لإعادة تعريف الشرق الأوسط وإعادة تموضع القوة الأميركية فيه، وهنا تم المزج في خطاب إدارة جورج بوش بين مكافحة الإرهاب مع أسلحة الدمار الشامل، وتغيير الأنظمة، لنشر الديمقراطية، وإعادة إنتاج صورة الولايات المتحدة بوصفها القوة التي لا ينازعها أحد بعد الحرب الباردة. لم تكن حرب العراق نتيجة خطأ استخباراتي فحسب؛ كانت نتيجة تصور سياسي أوسع يرى أن الأمن الأميركي يتحقق بإزالة الأنظمة غير المرغوب فيها، وإعادة بناء الإقليم على صورة المصالح الأميركية.
وفي نظري بعد ربع قرن من تأمل الحادثة وقراءة أغلب ما كتب عن الحدث، لم يكن التعامل مع الحدث سوى تعبير عن أزمة استراتيجية بالدرجة الأولى، حيث تم التعامل مع معضلة الإرهاب والتطرف والخطاب الذي يُنتجهما على أنها مشكلة يمكن حلها بتغيير الخرائط السياسية من أعلى، بينما كان جوهر الأزمة مشكلة خطاب آيديولوجي عنيف نما في بيئة حاضنة لدولة هشة وضعيفة كأفغانستان والبلدان التي شكلت ملاذاً آمناً للتنظيم بسبب حالة الهشاشة والضعف وغياب الدولة، لإعادة تكوين شبكات تمويل وتجنيد عابرة للحدود.
لم يكن إسقاط صدام حسين يعني امتلاك القدرة على بناء عراق مستقر؛ بل كان أثر حل الجيش وتدمير مؤسسات الدولة وطرد الآلاف من الموظفين من الوظائف سبباً في خلق بيئة ثانية اختلط فيها حابل الطائفية بنابل التطرف، ليولَد «داعش» ويكبر التحدي الأكبر لعالم ما بعد «11 سبتمبر»؛ الحدث الذي تحوَّل إلى متلازمة أميركية مشروع بناء دولة مستنبتة بإدارة أميركية مكلفة تعتمد في بقائها على التمويل والحماية الخارجية، وحينها سُلِّم العراق لإيران، وهكذا كلما توسعت المهمة أصبح النصر على غول الإرهاب أكثر غموضاً بسبب السلوك النمطي من خلال رفع سقف الأهداف ثم التعثر في خلق حالة توافق سياسي يعقبه انسحاب يُخلِّف فراغاً هائلاً تستثمره القوى دون الدولة والتنظيمات المسلحة.
لاحقاً وُلد نمط ما أصفه بمكافحة الإرهاب على طريقة «الفاست فود»: عمليات قوات خاصة تستهدف قيادات أو طائرات مسيَّرة، وكلها رغم أهميتها وتأثيرها في إضعاف التنظيمات، لكنها لم تخلق بديلاً سياسياً يصنع دولة أو يحمي تلك المجتمعات المهمشة أو حتى يمنع تحويل الضحايا المدنيين إلى مادة خصبة للتجنيد وخطاب للتحشيد المضاد.
لهذا لم يكن العالم بعد «11 سبتمبر» أفضل بالضرورة في التعامل مع الإرهاب، رغم التقدم الهائل في المراقبة والبيانات والتنسيق الاستخباري. لقد أصبح أكثر قدرة على اكتشاف الخلايا وتعقب التمويل واستهداف القيادات، لكنه أقل اتفاقاً على تعريف الخطر وحدوده، وأكثر ميلاً إلى اختزال أزمات الدول الهشة في بعدها الأمني. انتقل مركز الثقل الإرهابي من أفغانستان والعراق إلى الساحل الأفريقي وحوض بحيرة تشاد والقرن الأفريقي، فيما احتفظت تنظيمات مثل «داعش» و«القاعدة» بقدرتها على التحول من السيطرة على الأرض إلى الفروع المحلية والشبكات الرقمية والفاعلين المنفردين. والنتيجة أن التنظيم المركزي ضعُف، لكن البيئة التي تُنتج التطرف لم تُعالَج بالقدر نفسه، وهكذا تحولت ذكرى «11 سبتمبر» إلى إنتاج خطاب الحرب العالمية على الإرهاب وتبرير البنى الأمنية دون مراجعة نقدية للاستراتيجيات.
بعيداً عن «11 سبتمبر» قدمت التجربة السعودية درساً مختلفاً. فقد واجهت المملكة الإرهاب حين انتقل من خطاب عابر للحدود إلى عنف مباشر على أرضها في 2003 الذي شكَّل لنا كسعوديين نقطة تحول في مسألة الإرهاب، ولم نتعامل معه كظاهرة أمنية فقط، بل كاختراق فكري واجتماعي يحتاج إلى مواجهة متعددة ومزيج استراتيجي يجمع بين الحزم الأمني، وتجفيف منابع التمويل، وتطوير الاستباقية الأمنية والاستخبارية، لكن الأهم أنه كانت هناك تجربة سعودية شديدة الأهمية باعتراف حتى مراكز الأبحاث الغربية للخطاب المتطرف، كما هو الحال إعادة التأهيل ضمن عمل مؤسسي كبير جمع قطاعات مختلفة من أمن الدولة إلى التعليم.
القيمة الأساسية للنموذج السعودي: أنه لم يجعل الإرهاب ذريعةً لشلّ المجتمع أو التراجع عن التنمية والتطوير، فضلاً عن التنازل عن الثوابت الدينية، بل جعل التصدي للتطرف مسؤولية مشتركة بين الدولة ومؤسساتها والمجتمع والفاعلين فيه على المستوى الديني والثقافي والاجتماعي؛ كلٌّ من موقعه أسهم في بناء مناعة صلبة وطويلة المدى ضد الخطاب، مع اليقظة تجاه العمليات التي تم القضاء عليها بسبب قوة الدولة وثقة المجتمع وتعزيز الخطاب الديني المعتدل وتقديم كل الوسائل المجتمعية التي تمضي بالسعوديين نحو المستقبل الذي تحوَّل إلى سردية أكثر إقناعاً من خطاب التطرف وسردية العنف.
