الحروب كثيراً ما تغري الفنون والأدب بالتخليد والذكرى أحياناً للبطولة، وأحياناً أخرى للنظر في العجائب التي يدفع بها أنصار الخيال.
الحروب، من أول تلك التي جرت بين «أثينا وإسبرطة»، وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية، تم تخليدها في السينما العالمية، وبعد ذلك فإن الحروب الكورية والفيتنامية والعراقية كان لها نصيب وحظ.
الآن هناك سمعة فائرة تخص فيلم «الأوديسة» لكريستوفر نولان التي تستدعي «الإلياذة» اليونانية حيث تحضر «حرب طروادة» ليس في قصة الحب بين أخيل وهيلينا، أو المنافسة بين أخيل وهيكتور؛ وإنما فيما حدث بعد ذلك في رحلة العودة من «طروادة»، التي تقع الآن في تركيا، إلى اليونان مرة أخرى. مع ذلك فإنها قليلة أن تكون هناك أفلام عن الحروب المعاصرة التي جرت في الشرق الأوسط. ومنذ ذاع صيت فيلم «لورانس العرب» عن الثورة العربية في 1916 والحرب البريطانية ضد تركيا العثمانية، فإنه لا يوجد الكثير عن الحروب العربية - الإسرائيلية، ولا تلك العربية - الإيرانية، حيث توجد جذور الحرب التي نراها اليوم.
ما تبحث عنه الفنون والآداب هي دائماً العُقَد المثيرة للخيال عن المجد والذكر في التاريخ؛ وفي أحوال كثيرة تفاصيل ما حدث من الهزيمة الأولى إلى طلائع النصر.
في الحرب الحالية، توجد الكثير من الدوائر المعقدة التي تنتظر مَن يقترب منها، ومن يُجرّم بالعنف والقتل، ومن يبحث عن خلاص لا يأتي. أحياناً يهتم الخيال بفصول تبدو جانبية، ولكنها تكون مؤثرة على مجرى التطور التاريخي، وفيها قدر غير قليل من الإثارة. هذه في الحرب الحالية التي تجري بعيداً بين مضيقَي «هرمز» و«باب المندب» ولكنها مؤثرة في الصدام عندما تحدث الانتخابات في الولايات المتحدة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، وقبلها تُجرى الانتخابات الإسرائيلية في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2026. الأولى لها علاقة دستورية تقضي بأن تقام جولة للتصويت في مجلس النواب بكامله ونصف مجلس الشيوخ. في العادة فإنها تعد استفتاء على الرئيس القابع في البيت الأبيض وهو الآن الرئيس دونالد ترمب، الممثل للحزب الجمهوري، في مواجهة أخرى مع الحزب الديمقراطي ليس فقط على من تكون له الأغلبية، وإنما من يقف مع أو ضد سياسات الرئيس، وفي المقدمة منها الحرب مع إيران التي كان مقدراً لها 6 أسابيع، وهي الآن مضى عليها 6 أشهر. الانتخابات تطرح أسئلة كثيرة عن الحرب.
الانتخابات الإسرائيلية لا تقل أهمية، وخصوصاً بالنسبة للعالم العربي الذي وجد نفسه واقعاً بين نتائج حربين - حرب غزة الخامسة، وحرب الخليج الرابعة - شاء القدر أن تصيرا حرباً واحدة. حيث العنف بات شديداً في الحربين؛ وباتت قاعدة استنكار ما أشارت له الحربان من انتهاكات للقانون الدولي، إذا كان إنسانياً أو شرعياً وكفى. ما هو ملموس ويمثل نوعاً من الدراما البشرية أن الحرب حصلت بين حركة «حماس» التي تنتمي فكرياً إلى جماعة «الإخوان المسلمين» في قطاع غزة والتي قامت بالإغارة على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، وإسرائيل، وما نتج عنها من رد فعل إجرامي من قبل إسرائيل؛ حيث يحكمها تحالف يميني يستند هو الآخر إلى أفكار الأصولية اليهودية. هذا التحالف الآن موضع الاختبار في الانتخابات المقبلة، وهو يدفع بقوة إلى كسب الانتخابات من خلال أعمال تدفع بشدة أولاً لحصار السلطة الوطنية الفلسطينية الواقعة في الضفة الغربية بالمستوطنات، وفي الوقت نفسه تزحف نحو الضغط على القدس الشرقية المرشحة لأن تكون العاصمة عند قيام الدولة الفلسطينية.
الانتخابات بالتأكيد تتأثر كثيراً بمسار حرب غزة، وما إذا كانت «مبادرة السلام» التي أطلقها الرئيس ترمب في شهر أكتوبر 2025 من شرم الشيخ المصرية؛ ورفضها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، سوف تطرح نفسها مرة أخرى على أصوات الإسرائيليين.
دراما الحرب فاضت كثيراً بمشاهد مروعة، ولكنها دفعت الجمهور الإسرائيلي في اتجاه الاختيار ما بين مزيد منها لعل الفلسطينيين ينحسر وجودهم ويتم التهجير العرقي لهم، أو أن ذلك مستحيل فيكون مطروحاً إمكان التعايش الفلسطيني - الإسرائيلي.
جزء من الدراما الإنسانية أن تكون للعالم العربي فرصة للتأثير الإقليمي في انتخابات ساخنة. الحقيقة هي أن العرب الفلسطينيين يشاركون في هذه الانتخابات بما نسبته 21 في المائة من أصوات الناخبين، وهو ما يعطي قدرة على الترجيح في كفة الاختيارات، بين الحرب والسلام.
والحقيقة الثانية أن من بين الناخبين الإسرائيليين مَن سئموا الحرب، ومَن شعروا بأن نصيبهم من التقدير في العالم تراجع كثيراً بسبب الحرب. والحقيقة الثالثة أن الحروب تكون لها نهاية، وربما كان في الانتخابات الإسرائيلية ما يدفع في اتجاه نهاية الحرب إذا ما كانت هناك استراتيجية لذلك.
