مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

ماذا لو لم يحصل حادث السيّارة؟!

استمع إلى المقالة

هناك نظرية أو تجريبٌ افتراضي للتاريخ البديل، خلاصته هذه العبارة: ماذا لو لمْ يحصل كذا؟!

المِثال الأشهر هنا حول أنف الملكة المصرية كليوباترا، الذي كان أول ما فتن القادة الرومان.

يخبرنا الأديب العملاق عبّاس العقّاد عن هذه الفكرة في مؤلّفه الشهير «ساعات بين الكتب»، فيقول: «لو طال أنف كليوباترا أو قصُر بمقدار ثُمن قيراط لشاهَ وجهها، وذهبت فتنة جمالها، وعزّ عليها أن تُوقع في شِباكها رجلاً كيوليوس قيصر، أو رجلاً كمارك أنطونيوس... ومن ثمّ كانت معركة (أكتيوم) تختفي من التاريخ، وكانت دولة (أوغسطس) تنشأ في حدود غير حدودها، ومعالم غير معالمها، فلا بيلاطس يحكم في سوريا، ولا هيرود يُملّك على اليهود، ولا الظروف التي أتاحت للقديس بولس أن يجوب الأقطار للتبشير بدعوته، كانت تتهيأ له كما تهيأت، أو تحدث كما حدثت، وكان من المحتمل أن تظل روما بمعزل عن المسيحية بقية حياتها، إلى غير ذلك من التقديرات التي ليس لها اليوم ميزان تُوزن به، ولا يقف بها التخيل عند غاية».

على هذا القِياس سألتُ نفسي عن مصير سوريا، والشرق الأوسط قاطبة، لو انتبه قائد السيارة الفارهة على طريق دمشق الدولي في 21 يناير (كانون الثاني) 1994، وتلافى الوقوع في حادث السيّارة القاتل. هذا الشابّ الذي مات في ذلك الحادث، وهو يبلغ من العمر 31 عاماً، هو باسل حافظ الأسد.

في مُذكّرات عبد الحليم خدّام، رجل العهد الأسدي المديد، التي نشرها الصحافي الزميل إبراهيم حميدي، يروي خدّام أنه علِم، في أثناء وجود الجميع في القرداحة لدفن باسل الأسد عام 1994، أن السيدة أنيسة مخلوف وشقيقها محمد مخلوف اجتمعا وقرّرا إنهاء بعثة بشار الدراسية في لندن ليشغل مكان شقيقه الراحل.

الأكيد أن باسل غير شقيقه بشّار وغير والده، وكم من وريث غيّر في السياسات السابقة تغييرات كُبرى. هذا احتمالٌ واردٌ بقوّة، وقد لا يكون. تغييرات في العلاقة مع إيران، و«حزب الله»، وأميركا، ودول الخليج... بل ربما حتى جماعة «الإخوان»، رأس المعارضة في سوريا. رُبّما نعم... ورُبّما لا.

ماذا لو سمع صدّام حسين النصائح وكفّ عن غزو الكويت عام 1990؟! ماذا لو استطاع الشاه محمد رضا بهلوي إحباط الحِراك الذي ثار ضدّه، وانتهى بوصول الجماعات الأصولية لعرش إيران؟! وماذا... ؟! وماذا... ؟!

هناك نظريات تقول إن التاريخ مثل القطار الذي يمضي على سِككٍ موجودة مُسبقاً، ولن يحيد عنها، ولا يستطيع ذلك أصلاً. وهناك من يقول لا، بل التاريخ مجموعة أحداث وصُدف تصنع الواقع وتفاعلاته.

كتب أمير طاهري وهو يناقش توهّم البعض بحتمية تحقّق الماركسية في أميركا يوماً ما: «الحقيقة أنه لا يوجد قانون للتاريخ. هناك فقط اتجاهات، وظروف، واحتمالات، وحوادث عرضية، وحظ جيد، وآخر سيئ»... أنتَ كيف ترى؟