قبل نحو خمس سنوات من جائحة كورونا وقف بيل غيتس على منصة «تيد» عام 2015، محذراً العالم من أن الخطر الأكبر الذي يهدد ملايين البشر ليس الحرب النووية بل «فيروس شديد العدوى». لم يأخذه بعض الناس على محمل الجد، أو لم يستوعبوا كلامه، لكن ما توقعه حدث بالفعل عام 2020، عندما شُلَت حركة الناس في الكرة الأرضية.
هو يرى أن الاستعداد للحروب أخذ نصيبه من الإنفاق المادي، لكننا لم نستعد بعد لبناء منظومة تحمينا من الأوبئة. لم يكن بيل غيتس وحده من يستشرف مشكلاتنا، فقد وقف اقتصادي بارز في صندوق النقد الدولي، أمام محافظي البنوك والاقتصاديين في أحد المؤتمرات، عام 2005، محذراً إياهم من أن النظام المالي المستقر آنذاك سوف يكون عرضة لمخاطر جمة، وبعد ثلاث سنوات اندلعت الأزمة المالية العالمية.
وقد حذر مهندسو مكوك «تشالنجر» من خلل في الحلقات العازلة قد ينتهي بكارثة، قبل أن ينفجر المكوك عام 1986 ويقتل رواده السبعة. وقبل الأزمة المالية الآسيوية حذر الاقتصادي بول كروغمان في منتصف التسعينات من القرن الماضي، من أن «المعجزة الآسيوية» لا يمكن أن تستمر بهذه الوتيرة الاستثنائية إلى ما لا نهاية، وبعد ثلاثة أعوام، عصفت الأزمة بـ«النمور الآسيوية».
هؤلاء ليسوا منجمين، ولكنهم أناس يستشرفون المستقبل بناء على معطيات الواقع وأدوات العلم الحديث. خطورة ما يجري أننا نتجاهل المختصين في شتى المجالات وتحذيراتهم ثم «يقع الفأس في الرأس». في السابق استغرق انتقال الحاسوب من أجهزة ضخمة بحجم غرفة عملاقة إلى حاسوب شخصي عقوداً طويلة. ولما حاول بيل غيتس إقناع صديقه أغنى أغنياء العالم، وارن بوفيت، بالاستثمار في شركة «مايكروسوفت» باعتبار أن كل بيت سيكون فيه حاسوب لم يتحمس بوفيت، واعترف مؤخراً بأنه أخطأ التقدير. أما في عصرنا فما كان يستغرق عقوداً قد يحدث في سنوات قليلة بفضل تسارع الابتكار والتكنولوجيا والانتقال المذهل للمعرفة. من كان يتخيل أن الصين المملوءة بالفقراء في الستينات صارت مصدراً للابتكار والتكنولوجيا، وصار اقتصادها أكبر بنحو خمسين مرة مما كان عليه في آخر ثلاثة عقود، لتصبح ثاني أكبر اقتصاد بعد أميركا.
لا أستطيع أن أتخيل أن دولة أو شركة عملاقة لا يحيط بمتخذي القرار فيها أبرز الأشخاص في مجالاتهم ليشكلوا مجلساً استشارياً رفيعاً لاستشراف المستقبل. الدول والمؤسسات التي تحسن استشراف المستقبل وتستعد له تكون أقل عرضة للأخطار، والأخطاء، وأفضل استعداداً لاقتناص الفرص والتعامل مع المتغيرات.
