نبيل عمرو
كاتب وسياسي فلسطيني
TT

الفلسطينيون من الدولة إلى صراع البقاء

استمع إلى المقالة

من دون سردٍ تفصيليٍ للوقائع، فإن بالإمكان وصف الحالة الفلسطينية بأنها «غرقٌ في دوّامة»... كلّما لاحت بارقةٌ للخروج منها، تقع تطوّراتٌ معاكسةٌ تعيد الحالة إلى الدوّامة ذاتها.

الفلسطينيون من خلال «اتفاقات وتفاهمات أوسلو»، التي رعاها العالم كله، شعروا بحق بأنهم صاروا على أبواب دولتهم المنشودة... 5 سنواتٍ، وربما أقل، وتنتهي المرحلة التجريبية للحكم الذاتي، لتقوم الدولة الفلسطينية على الأراضي المحتلة في عام 1967، وبعدها يصبح متاحاً إجراء مفاوضاتٍ بين دولتين قائمتين لحل قضايا الوضع الدائم.

فشلت التجربة منذ غياب صنّاعها على الجانب الإسرائيلي، لتحلّ محلّهم قيادةٌ عارضت جذرياً ما جرى التوصل إليه في أوسلو، لتفرض مساراً مختلفاً للأحداث، تحوّل فيه مشروع السلام الواعد إلى مشروعِ حربٍ دمويةٍ بدأت منذ تولّي «الليكود» السلطة، واستمرت إلى ما نحن فيه الآن.

الفلسطينيون والحالة هذه، أخرجوا من حساباتهم الواقعيةِ إمكانيةَ قيام دولةٍ فلسطينيةٍ وفق «مسار أوسلو»، وفي المدى القريب، لتتراجع أهدافهم إلى ما هو أكبر واقعية؛ أي البقاء على أرض الوطن، ومتابعة التطوّرات الدولية التي منحتهم اعترافاتٍ ثمينةٍ بحقهم في الدولة.

واقعية الفلسطينيين لها ما يعززها، ويعزز من أهدافها المتراجعة عن «الدولة الوشيكة» إلى «البقاء على أرض الوطن»، وأهم ما يستند إليه الفلسطينيون وجود ما يزيد على 6 ملايين نسمة يقيمون في الضفة وغزة. وهذه الملايين تمتلك يقيناً راسخاً بأهمية البقاء على أرض الوطن؛ وذلك بفعل عاملين شديدَي الفاعلية، هما: التجربة الفلسطينية مع اللجوء، التي عمّقت وعياً جمعياً لديهم بعدم تكرارها. وكذلك مواقف الدول القريبة والبعيدة التي لم تفتح أبوابها لهجرة الفلسطينيين في الوقت الذي ينهمك فيه العالم في معالجة مسألة اللاجئين بإعادتهم من حيث أتوا.

الفلسطينيون في الضفة، بما فيها القدس، وعددهم 4 ملايين، يعيشون على أرضٍ مساحتها تقل عن 6 آلاف كيلومتر مربع، وقد عاشوا حالةً فيها ازدواجية متفرّدة، قوامها بناءُ حياتهم على أرض الوطن، بكل ما يلزمها من بنىً تحتية ومرافق ومنشآت، وكأنها لا ترزح تحت احتلالٍ عسكريٍ استيطاني، وأداءُ مقاومةٍ متعددة الأشكال؛ عسكريةً وشعبيةً وتعليميةً وعمرانية... بنوا عشرات آلاف المدارس، وعشرات بل مئات المعاهد ذات التخصصات المختلفة، ولم تخلُ محافظةٌ في الضفة من جامعةٍ أو اثنتين.

كانت المقاومة بالوسائل المتاحة تجري مع أضخم عملية بناءٍ للبلد، وبوسعك إذا ما قطعت المسافة بين أريحا؛ الثغر الشرقي للوطن، والظاهرية؛ الثغر الجنوبي، أن تجد العمران وقد ملأ جانبي الطريق ولا فراغاتٍ تذكر.

رصيد الفلسطينيين في الضفة هم الناس أولاً والنسبة العالية جداً من المتعلمين والمؤهلين في كل المجالات، حيث لا أميّة إلا بنسبةٍ ضئيلةٍ لا تكاد تُذكر. وهمُّ الفلسطينيين بعد انسداد أفق التسوية التفاوضية مع إسرائيل، ليس فقط الحفاظ على هذا الرصيد، وإنما تعميقه وتنميته، من دون التراجع عن فكرة الدولة في الأساس، وإنما واقعية عدم توقعها في المدى المنظور.

أمّا في غزة، حيث الجزء الحيوي الآخر من الجسد الفلسطيني، فما حدث في الضفة منذ احتلال عام 1967، حدث مثله فيها، حيث المزاوجة بين البناء والمقاومة؛ مما أنتج قطاعاً هو الأقل مساحةً من محافظةٍ في الضفة والأكثر اكتظاظاً بالسكان، فقد بنوا حياتهم ومرافقهم بكل ما تيسّر لهم من إمكاناتٍ ذاتيةٍ ودعمٍ من الأشقاء. ورغم تدمير إسرائيل غزةَ مراتٍ عدّة بالتقسيط وبالجملة، كما هو واقعٌ الآن، فإن الناس هناك، وقد اختبروا عملياً مسألة النزوح والتهجير، قسراً أم طوعاً، فضّلوا الحياة قرب ركام بيوتهم بأمل إعادة بنائها، على الهجرة إلى أي مكان؛ قريباً كان أم بعيداً. ومن لا يصدّق فلينظرْ إلى معبر رفح والحركة عليه.

واقعية الفلسطينيين يجسّدها وعيُهم الجمعي بحالتهم بكل ما فيها من صعوبات، وإجابتهم عن سؤالٍ فُرض عليهم: ما الأفضل؛ البقاء على أرض الوطن مهما بلغت الصعوبات، أم تجربة اللجوء للمرة الثانية أو الثالثة؟

لم يُجَب عن هذا السؤال عبر استطلاعات رأيٍ، بل أُجيب عنه عملياً بحيث لا هجرة على الإطلاق، وإن حدثت على نحوٍ محدود فلا يغادر فلسطينيٌ أرض الوطن إلا وضمانات العودة إليه في متناول يده، وهذا لا يمتّ للهجرة المقصودة إسرائيلياً بأي صلة.

أهل الضفة وغزة ليسوا متروكين لأقدارهم، بل يحظون بدعمٍ شقيقٍ وصديق، وهو إن لم يصل إلى المستوى الذي يتطلعون إليه، فإنه يوفّر لهم قدرةً جديّةً على مواصلة ازدواجيتهم المتفرّدة: مقاومة وبناء. وواقعيتهم وفّرت لديهم فهماً ناضجاً للمقاومة أعلى فاعليةً من مفهومها التقليدي بالسلاح، فهم يقاومون بالبقاء على أرض الوطن وبناء حياتهم فيه، رغم الصعوبات الجمّة التي يواجهونها، وهي صعوباتٌ، مهما تعاظمت، تظلّ ممكنة المواجهة والاحتواء، ما دام الأساس هو «إجماع البقاء على أرض الوطن».