د. ياسر عبد العزيز
كاتب مصري وخبير في مجال الإعلام والاتصال. مدير مكتب«الشرق الأوسط»في القاهرة. عضو مجلس الشيوخ. عمل مستشاراً ومدرباً مع عشرات المؤسسات الإقليمية والدولية.
TT

أين السياسة المحلية؟

استمع إلى المقالة

تتقدم صناعة الإعلام العربي بخطى واسعة، ويتسع نفوذ بعض منصاتها لتتجاوز حدود إقليمها إلى فضاء عالمي تزاحم فيه كبريات المؤسسات الدولية، وتفرض حضوراً يصعب تجاهله في صناعة الرأي العام وتشكيل الوعي. غير أن هذا الازدهار، رغم استحقاقه للثناء لا يخلو من مثلبة جوهرية تمس صميم الوظيفة الإعلامية، وتتمثَّل في انحسار لافت في تناول الشأن السياسي المحلي، ذلك الحيّز الذي ينبغي أن يظل نبض أي إعلام يزعم تمثيل مجتمعه والتعبير عن همومه.

ولهذا الانحسار جذور متعددة تتضافر فيما بينها لتصنع معضلة كبيرة. فبعض المجتمعات العربية لم تمنح السياسة المحلية، على مرّ عقود، مساحتها الطبيعية في النقاش العام، فظل الشأن السياسي حكراً على دوائر ضيقة، وترسّخت فكرة مفادها أن الاقتراب منه مجازفة لا طائل من ورائها.

من جانب آخر، لا يكمن السبب في ضيق هذه المساحة بقدر ما يكمن في شبكة من المحددات القانونية والقيود الإدارية التي تفرز، بمرور الوقت، رقابة ذاتية تتغلغل في وعي الصحافي قبل أن تفرضها عليه أي جهة خارجية، فيغدو حارساً على نفسه أشدّ صرامة من أي رقيب رسمي.

وحين يفشل الإعلام المحلي في تلبية حاجة الجمهور إلى فهم واقعه السياسي، فإن هذا الجمهور لا يظلّ صامتاً بانتظار أن يتغير المشهد، بل ينصرف بحثاً عن بديل. فتغدو منصّات «التواصل الاجتماعي»، بخوارزمياتها التي لا تعرف تمييزاً بين الغثّ والسمين، الملاذ الأول لهذا البحث. وتستفيد من الفراغ ذاته بعض المنصّات التي تبثّ من خارج الحدود، وكثير منها يفتقر إلى أدنى معيار مهني، وبعضها الآخر يحمل أجندة مُعادية صريحة، فيجد كلاهما جمهوراً جاهزاً لتلقي ما يُقدَّم له، بلا مقارنة ولا بديل موثوق يفضح خطله.

وتزداد المفارقة قسوة حين يُدرك المرء أن الانكفاء عن السياسة المحلية، بحجّة الحفاظ على الاستقرار أو تجنّب الحساسية، إنما يُفضي إلى نتيجة عكسية تماماً، إذ يفسح المجال أمام روايات أقل انضباطاً وأشد قابلية لإثارة الفتنة والتشويش. فكلما تراجع الإعلام المهني عن ساحة السياسة، توسّعت فيها مساحة الشائعات والتحريض، وتحوّل النقاش العام من حوار مُنظم إلى فوضى معلوماتية لا ضابط لها. والأدهى من ذلك أن المساحة التي يتركها الإعلام المهني لا تبقى فارغة، بل تُملأ سريعاً بخطاب مشحون يصعب لاحقاً احتواؤه أو تصحيح مساره.

من هذا المنطلق، تغدو الحاجة ملحة إلى أن تستعيد المنظومات الإعلامية العربية اهتمامها بمعالجة السياسة المحلية؛ خبراً يومياً ومتابعةً تحليلية، بوصف ذلك جزءاً أصيلاً من رسالتها وليس ترفاً يمكن الاستغناء عنه. فالتغطية الجادّة للشأن السياسي تمنح الجمهور أدوات لفهم واقعه، وتمنح المسؤول مرآة نقدية تحفّزه على تحسين أدائه، وتمنح المجتمع بأسره متنفّساً سلمياً يُعبر من خلاله عن تطلعاته ومخاوفه، بدل أن تتراكم في صمت قد ينفجر يوماً بصورة أكثر اضطراباً. وهي أيضاً استثمار مباشر في مصداقية المؤسسة الإعلامية، إذ لا يكتمل وثوق الجمهور بمنصّة تتحدث عن العالم كله وتصمت عن شؤون بلدها. وليست هذه التغطية عبئاً يُثقل كاهل المؤسسة الإعلامية، بل هي على العكس مصدر تميزها وسط زحام المنصات.

بيد أن هذه العودة إلى الشأن السياسي المحلي لن تحقّق غايتها المرجوّة إلا إذا اقترنت بثقافة راسخة تقبل الاختلاف وتستوعب الرأي الناقد، ذلك أن أي معالجة سياسية جادة تفترض بالضرورة تعدّد الأصوات وتقاطع الرؤىَ، فلا معنى لفتح الباب أمام النقاش السياسي إذا ظلّ مسقوفاً بحدود لا يجرؤ أحد على تجاوزها. فالإعلام الذي يفسح المجال للرأي المخالف، ويمنحه حقه في التعبير إلى جانب الرأي الرسمي، في حدود القانون، هو وحده القادر على أن يستعيد ثقة جمهوره، ويحصّنه من الانجراف نحو بدائل لا تقدّم له سوى مزيد من الاستقطاب والتضليل.

وقبول الرأي الناقد، في هذا السياق، ليس تنازلاً عن الخطّ التحريري، ولا تهديداً لثبات الموقف، ولا نكوصاً عن الولاء الوطني، بل هو بالأحرى دليل ثقة المؤسسة بنفسها، وإقرار ضمني بأن الحقيقة أكثر ثراءً حين تُعرض من زوايا متعدّدة لا من زاوية واحدة تحتكر تفسير الأحداث.

إن معيار النّضج الحقيقي لأي صناعة إعلامية لا يُقاس بحجم انتشارها أو اتساع جمهورها فحسب، بل بجرأتها على مقاربة السياسة المحلية بعين متوازنة وناقدة في آن، وباستعدادها لأن تجعل من الرأي المُختلف ركيزة من ركائز عملها لا استثناء طارئاً عليه. وإذا كان بعض الإعلام العربي قد أنجز بالفعل شوطاً يستحق الاعتراف في بناء حضوره ونفوذه، فإن اكتمال هذا الإنجاز رهين بقدرته على أن يصبح صوت السياسة المحليّة أولاً، قبل أن يكون صوتاً لكل ما عداها.