أربع صدمات تاريخية - صدمة القوى العظمى، وصدمة الصين، وصدمة الذكاء الاصطناعي، وصدمة الولايات المتحدة - تبث هزات عنيفة في المشهد العالمي. وقد دفعت هذه الصدمات العالم إلى مرحلة انتقالية مضطربة، ويُرجح أن تكون طويلة الأجل، من عصر إلى آخر. وفي الوقت الراهن، هناك توقع بالعيش في فترة من الأزمات الدائمة، التي تكون فيها مصادر عدم الاستقرار هيكلية، وتصبح فيها الاضطرابات أمراً مستمراً.
لقد اتسمت معالم نظام ما بعد الحرب الباردة بمفهومي الهيمنة والتكامل؛ إذ وفّرت القوة الأميركية المهيمنة، والتحالفات الأميركية الممتدة عبر العالم استقراراً جيوسياسياً. كما حقّقت العولمة تعميقاً للترابط الاقتصادي والمالي. وكان العالم يبدو وكأنه يتجه نحو الاندماج والتقارب حول القيم الديمقراطية؛ فيما بدت مكاسب التقدم التكنولوجي مضمونة.
وعملت واشنطن على قمع التهديدات، مثل الإرهاب الدولي، بنجاح متباين، بينما كانت تحول دون عودة التنافس بين القوى العظمى عبر الردع العسكري والتكامل الاقتصادي. غير أن كل جانب من جوانب ذلك النظام بات يتعرّض للتحدي، وربما للتحول والتغيير الجذري.
تأتي صدمة القوى العظمى في وقت تشن فيه الدول الراغبة في تغيير الوضع القائم - وبشكل رئيسي الصين وروسيا، فضلاً عن إيران وكوريا الشمالية - هجوماً على النفوذ والتحالفات الأميركية في كل منطقة رئيسية من أوراسيا. وتعمل هذه الدول على تحطيم القواعد العالمية، سواء تعلق الأمر بحرية الملاحة البحرية أو بانتهاك حظر الغزو والاستيلاء على الأراضي.
وفي قلب هذا العصر المليء بالتنافس، ينشأ صراع جديد على الهيمنة بين أميركا والصين، وهو نوع الصراعات المُحدد لمعالم الأنظمة، الذي يميل إلى التسبب في حروب ساخنة كارثية، وحروب باردة تمتد لعقود، وهزات أخرى تُحدث استقطاباً حاداً، وتُلقي بظلالها على المعمورة بأسرها. وترتبط الصدمة الجيوسياسية بصدمة الصين. ورغم أن سياسات الحمائية الاقتصادية التي ينتهجها الرئيس دونالد ترمب تحظى بالقدر الأكبر من عناوين الأخبار، فإن الفائض في الطاقة الإنتاجية الصناعية الصينية هو الاضطراب الاقتصادي الأكبر في عصرنا الحالي، المتمثل في سعي بكين إلى تحقيق الصدارة في مجالات تتنوع من الصلب والألمنيوم إلى بطاريات السيارات الكهربائية وأشباه الموصلات.
وتُهدد الاختلالات الناتجة عن ذلك البُلدانَ في كل مكان؛ إذ يمكن لفائض الطاقة الإنتاجية الصينية أن يعيق نمو الاقتصادات النامية التي تأمل في إرساء قطاعاتها التصنيعية الخاصة. كما يضع الدول المتقدمة، ولا سيما في أوروبا، أمام تراجع صناعي كبير، وما يمكن أن يجره الضيق الاقتصادي من تطرُّف سياسي.
وكانت صدمة الصين السابقة، في مطلع هذا القرن، قد أغرقت العالم بسلع منخفضة التكلفة. أما صدمة الصين اليوم، فقد ترسخ هيمنة بكين على القطاعات التي تحدد معالم النمو العالمي، حتى وهي تخلق مخاطر تتنوع من الانكماش الصناعي إلى موجة من الحمائية الاقتصادية الانتقامية، على الصين نفسها.
وفي الأثناء ذاتها، تتصاعد أصداء صدمة الذكاء الاصطناعي بعنف؛ إذ تُحوّل النماذج الجديدة الافتراضات التي كانت خيالية في السابق إلى حقائق ملموسة. ثم هناك التحديات الوجودية الأكبر التي بدأت تلوح في الأفق، ومن أبرزها خطر تحول الذكاء الاصطناعي والخروج عن السيطرة ضد صانعيه.
إن الثورات التكنولوجية تزعزع دائماً ميزان القوى بين المتنافسين الجيوسياسيين. وهذه الثورة، شأنها شأن الثورة الصناعية التي سبقتها، ستؤثر على كل جانب من جوانب المجتمع عبر إرباك العلاقة بين البشر والآلات. ويتفاقم عدم الاستقرار الناجم عن ذلك بفعل صدمة الولايات المتحدة. فعلى مدى عقود خلت، ساعدت السياسة الخارجية الأميركية العالم في التعامل مع الأخطار الاقتصادية والجيوسياسية. غير أن قدرة البلاد على أداء هذا الدور باتت تخضع لاختبار صعب في الوقت الراهن إثر الضغوط المالية المزمنة، والنقص الحاد في الذخائر، والخلل السياسي الوظيفي. ولا تزال القوة الأميركية غير مسبوقة؛ إلا أن الإجابة عن التساؤلات العميقة ذات الصلة بالغاية والهدف العالمي لأميركا قد تستغرق عدة دورات انتخابية أخرى.
إن تفاعل هذه الاتجاهات قد ينتج قائمة واسعة من السيناريوهات المستقبلية. فربما ينتهي بنا المطاف في حرب باردة جديدة - وهو سيناريو صعب ولكنه محتمل، يُعيد فيه الأطراف، وهم الولايات المتحدة وحلفاؤها التقليديون، إعادة صياغة روابطهم لإحباط ودرء الجموح الاقتصادي والجيوسياسي والتكنولوجي للصين. أو ربما تتغلب النزعات الطائشة لأميركا، ويدخل العالم في عصر من الفوضى، في وقت تسعى فيه جميع القوى العظمى إلى تحقيق مشاريع لتغيير الوضع القائم. ومن الممكن أيضاً أن تتضاءل الصدمات الأخرى كافة أمام صدمة الذكاء الاصطناعي، لتشهد مرحلة يركز فيها كل مجتمع بصفة رئيسية على التداعيات الناجمة عن هذا الانفجار التكنولوجي. أو ربما تؤدي الصراعات الجيوسياسية الممتدة، والتصاعد الحاد في التوترات الأميركية الصينية في نهاية المطاف إلى نشوب حرب عالمية. قد لا تتضح النتائج لعدة سنوات، وربما تمتد إلى عقد أو عقدين من الزمان؛ فعندما يزول النظام القديم، غالباً ما تستغرق ملامح النظام الجديد وقتاً لكي تتشكل وتتكامل. وبين هذا الحين وذاك، لا تتوقعوا انفراجة كبيرة. ففي ظل ما تحدثه 4 صدمات ملحمية من عدم استقرار هيكلي عميق، فإن عصرنا المليء بالأزمات الدائمة قد حل بالفعل.
