سام منسى
إعلامي لبناني قدم لعدة سنوات برنامجا حواريا سياسيا في قناة الحرة. المدير العام لإذاعة "صوت لبنان" سابقا والمدير التنفيذي السابق لـ"بيت المستقبل"، وكاتب عمود في "الشرق الأوسط". مهتم بجمع ومعالجة البيانات المتعلقة بشؤون الشرق الأوسط، خصوصاً الجوانب السياسية والاجتماعية للتنمية العربية.
TT

هل يقود آيزنكوت إسرائيل مختلفة؟

استمع إلى المقالة

تكتسب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل أهمية استثنائية؛ ليس لأنها قد تقلب صفحة بنيامين نتنياهو المديدة فحسب؛ بل لأنها تُجرى في خضم تحولات تمتد من غزة ولبنان وسوريا إلى الحرب الأميركية - الإيرانية وتداعياتها الإقليمية. ويبرز في هذه الانتخابات غادي آيزنكوت بوصفه منافساً جدياً لنتنياهو، ما يجعل الرهان عليها يتجاوز هوية رئيس الحكومة المقبل إلى احتمال تغيير النهج الإسرائيلي المدمر، وإن لم يؤدِّ إلى تحول جوهري في سياساتها.

يستمد آيزنكوت قوته من سيرته الشخصية والعسكرية. فهو يهودي مزراحي من أسرة مغربية، وليس من النخبة الأشكنازية التي هيمنت تاريخياً على مؤسسات الدولة. وقد تدرج في الجيش حتى تولى رئاسة الأركان بين عامي 2015 و2019. كما عزز مقتل ابنه غال في حرب غزة، ثم اثنين من أبناء إخوته، صورته كقائد دفع ثمن الحرب شخصياً، خلافاً لطبقة سياسية تتهمها قطاعات إسرائيلية بإرسال الآخرين إلى الجبهات وحماية مصالحها.

ويقدم آيزنكوت نفسه بوصفه سياسياً نزيهاً، وهو ما يعكسه اسم حزبه «يشار»، أي «مستقيم». وتمنحه هذه الصورة أفضلية على نتنياهو المثقل بمحاكمات الفساد وتداعيات الإخفاق في منع هجوم السابع من أكتوبر. وقد أظهرت استطلاعات حديثة تقدمه عليه في ملاءمته لرئاسة الحكومة، ووضعت حزبه في المرتبة الأولى أو الثانية.

لكن مصدر قوته الأهم قد يكون موقفه من الحريديم. فبعد سنوات الحرب وخسائرها، تصاعدت النقمة على إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية وتمويل مؤسساتهم من المال العام، بينما يُرسَل الآخرون وأبناؤهم إلى القتال. ويطالب آيزنكوت بتقليص المساعدات للأحزاب الدينية، وربط الحقوق والتمويل بالمشاركة في تحمُّل أعباء الدولة، واصفاً تكريس إعفاء طلاب التوراة بأنه تشريع للتهرب من التجنيد. وباتت أعداد متزايدة من الإسرائيليين ترى في هيمنة الأحزاب الدينية وامتيازات الحريديم خطراً على مستقبل إسرائيل، يفوق الخطر الذي يمثله العرب. فالقضية تجاوزت الخلاف التقليدي حول الدين والدولة، لتغدو تهديداً للمجتمع والاقتصاد والجيش، ولمبدأ المساواة في الدم والضرائب والواجبات.

يبقى التحدي الحاسم تأمين 61 مقعداً، ويحتاج آيزنكوت لذلك إلى ائتلاف يضم قائمة نفتالي بينيت ويائير لابيد وحزب أفيغدور ليبرمان والديمقراطيين، وربما قائمة يمينية صغيرة. وهو ائتلاف ممكن حسابياً، ولكن أطرافه مختلفون حول الدين والدولة والقضية الفلسطينية والعلاقة مع الأحزاب العربية.

وإذا بقيت الكتلة دون الأغلبية، فيمكنه استقطاب منشقين من «الليكود» أو اليمين، أو إشراك «القائمة العربية الموحدة» بقيادة منصور عباس أو الاعتماد على دعمها من الخارج، أو تشكيل حكومة أقلية إذا امتنعت الأحزاب العربية عن إسقاطها. ولكن بينيت وليبرمان يتحفظان على الشراكة العربية، بينما يفضل آيزنكوت حكومة ذات «أغلبية صهيونية». لذلك، فرصه حقيقية لكنها غير محسومة.

إقليمياً، لن يعني فوز آيزنكوت ولادة إسرائيل مسالمة. فهو صاحب «عقيدة الضاحية» القائمة على استخدام قوة تدميرية غير متناسبة للردع، ويرفض حالياً قيام دولة فلسطينية، ويتبنى مواقف متشددة تجاه غزة و«حزب الله» وإيران. لذا سيكون التغيير في أسلوب إدارة القرار أكثر منه انقلاباً في العقيدة الأمنية.

ومع ذلك، قد ينقل فوزه إسرائيل من حكومة تتحكم فيها اعتبارات بقاء نتنياهو ومطالب اليمين الديني والاستيطاني إلى حكومة أكثر مؤسساتية وقدرة على الجمع بين القوة والتسويات. وقد ينعكس ذلك على ملفات المنطقة بصورة متفاوتة. ففي غزة والضفة الغربية، لا يُنتظر تحول جذري؛ لأنه يتبنى موقفاً أمنياً متشدداً. إلا أن إبعاد حزبَي إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش عن الحكومة قد يحد من الضم والاستيطان والتهجير، ويعيد الاعتبار إلى التنسيق مع الدول العربية والولايات المتحدة. وهذا لا يعني حل القضية الفلسطينية، ولكنه قد ينقلها من منطق الحسم الآيديولوجي الذي يتبناه اليمين المتطرف إلى منطق الاحتواء الأمني والتسويات المرحلية.

التحول الأوضح المرتقب قد يكون مع سوريا والعلاقات الإقليمية. فبدل التعامل مع سوريا بوصفها ساحة مفتوحة للضربات والتفكيك، يرى آيزنكوت في استقرارها النسبي فرصة لترتيبات أمنية تمنع تمركز القوى المعادية لإسرائيل، ومدخلاً لتخفيف التوتر. أما في لبنان، فلن يكون أقل تشدداً عسكرياً، ولكنه قد يفضل إنهاء العمليات باتفاقات أمنية بدل استمرار الحرب وتوظيفها. كما سيواصل ردع إيران، ولكن مع تنسيق أوثق مع واشنطن ودول المنطقة.

لن يقود آيزنكوت «إسرائيل جديدة» في علاقتها بالفلسطينيين والمنطقة؛ بل إسرائيل أقل ارتهاناً للمتطرفين، وأكثر قابلية للتفاوض واستعداداً لتحويل القوة العسكرية إلى ترتيبات سياسية. وهذا تغيير مهم، ولكنه لا يرقى وحده إلى تحول استراتيجي شامل.

بدأت التحولات الإقليمية برَدِّ إسرائيل على «طوفان الأقصى»، وعسى أن يكون التحول السياسي المنتظر داخل إسرائيل خاتمة هذه المرحلة.