ثمة شبح يخيم على أميركا؛ شبح الشيوعية! حتى وقت قريب، ربما بدت هذه الصياغة الجديدة لافتتاحية «البيان الشيوعي» لماركس وإنغلز مجرد نكتة سمجة. أما اليوم، فقد أصبح لدينا سياسيون أميركيون يصفون أنفسهم تارة بأنهم «اشتراكيون ديمقراطيون»، وتارة أخرى بأنهم شيوعيون صراحة.
وقد ارتفعت روحهم المعنوية بفوز زهران ممداني الانتخابي وتوليه منصب عمدة نيويورك، وأصبح فوز عبد السيد بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية إلينوي، شبه مضمون. والآن، يتحدثون علناً عن الاستيلاء على زمام الحزب الديمقراطي، وإعادة تشكيله ليصبح أداة لـ«بناء نظام قائم على المساواة» داخل الولايات المتحدة. بل وبلغ الأمر أن لمَّحت إحدى أبرز نجماتهم، عضوة الكونغرس ألكسندريا أوكاسيو كورتيز، إلى احتمال خوضها سباق الرئاسة في غضون أقل من عامين.
وليست هذه المرة الأولى التي ينحرف فيها الحزب الديمقراطي، القائم على ائتلاف من الأقليات العرقية والدينية والثقافية، بشدة نحو اليسار. على سبيل المثال، عام 1972، رشح الحزب جورج ماكغفرن للرئاسة، استناداً إلى برنامج استلهم أفكاره من أحزاب الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية. إلا أن الديمقراطية الاجتماعية الاسكندنافية شكَّلت آنذاك النموذج المثالي للحكم، الذي يحظى بالإشادة.
ومنذ ذلك الحين، أفل نجم الديمقراطية الاجتماعية الاسكندنافية، وحلَّ محلها مذهب رأسمالي جديد، تتبناه أحزاب يمينية من دون مواربة.
ومع أن الشيوعية لم تصبح قط قوة رئيسية في الولايات المتحدة، فإن ظلالها ظلت تظهر من حين إلى آخر في الخلفية، مثل ذلك الشبح، الذي رسم ماركس صورته.
في الواقع، يمكن طرح رواية أقدم لتاريخ الشيوعية داخل أميركا؛ ففي كتابه «المجتمع القديم»، تحدث عالم الأنثروبولوجيا الأميركي لويس هنري مورغان، في القرن التاسع عشر، عن اتحاد كونفدرالي واسع أقامته 7 قبائل من السكان الأصليين في أجزاء كبيرة من الولايات المتحدة وكندا. وقام هذا الاتحاد، الذي قادته قبائل «الإيروكواي»، على غياب الملكية الخاصة والمال، مع تطبيق صارم لشعار: «من كل امرئ بحسب قدرته، ولكل امرئ بحسب احتياجاته». وكان يجري تقديم عاصمة هذه الكونفدرالية، تيكومسيه، بوصفها أثينا نمط الحياة الشيوعي «البدائي».
عام 1725، قدم بنجامين فرانكلين خطة لتحويل المستعمرات الـ13 إلى اتحاد كونفدرالي على غرار اتحاد «الإيروكواي»، مشدداً على أن القارة الجديدة لا تنتمي إلى أي ملك أو بارون، ومن ثم ينبغي أن تكون جميع الأراضي ملكية مشتركة. وبعد الفشل المدوي للثورات الأوروبية عام 1848، علّق ماركس آماله على الولايات المتحدة بوصفها الأمة القادرة على بناء أول مجتمع شيوعي حديث. وفي عام 1852، وصف ماركس، خلال مؤتمر الأممية الاشتراكية الأولى في لاهاي، الولايات المتحدة بأنها «مستقبل الاشتراكية»، رافضاً الاقتراحات القائلة إن روسيا، التي وصفها بأنها «أرض أشباه المتوحشين»، ربما تقود الثورة المنشودة.
وبعد كارثة عام 1848، لجأ كثير من القادة الشيوعيين، ومن بينهم أدولف سورغ، إلى الولايات المتحدة، طلباً للملاذ، وفراراً من ملاحقة الشرطة الأوروبية، وتحول كثير منهم بمرور الوقت إلى رأسماليين أثرياء، مع إضفاء نبرة يسارية، لا تزال حاضرة حتى اليوم، على السياسات المحلية.
عام 1922، تساءل لينين عن سبب تردد أميركا إزاء إطلاق الثورة الاشتراكية، التي كان العالم بأسره ليلحق بركابها بعد ذلك. ومع ذلك، لم تصبح الشيوعية قط قوة رئيسية على صعيد السياسة الأميركية.
من جهتهم، يرى بعض المؤرخين أن ذلك يرجع إلى نجاح واشنطن في تصوير الشيوعية، بوصفها تهديداً عسكرياً وأمنياً، بل وتهديداً وجودياً، وليس بوصفها رؤية منافسة للعالم. والمفارقة الكبرى تكمن في أن مجرد وجود الاتحاد السوفياتي، ساعد الولايات المتحدة على تفادي الشيوعية. وفي الوقت الذي ظلت فيه كلمة «الشيوعية» من المحرمات حتى وقت قريب، استخدم بعض السياسيين الأميركيين كلمات مشفرة، مثل «الاجتماعي» و«الجماعي» بدلاً منها.
وبالانتقال سريعاً إلى الأمام، نجد أن خطاب الرئيس جون كيندي الشهير «لا تسأل...» ربما كان مستلهماً من «الكتاب الأحمر الصغير» لماو تسي تونغ، وقدّم الفرد بوصفه شخصاً يتعين عليه أن يفعل شيئاً من أجل الدولة، بدلاً من أن يسأل عمّا تفعله الدولة من أجله.
من جهته، جاء شعار بيل كلينتون الانتخابي «إنه الاقتصاد، يا غبي!»، بمثابة إعادة صياغة لاعتقاد ماركس بأن الاقتصاد يوفر البنية التحتية للمجتمع، بينما تمثل السياسة بنيته الفوقية. وفي سيرته الذاتية الواقعة في 780 صفحة، يسخر باراك أوباما من منتقديه الذين اقترحوا أنه قد يكون «اشتراكياً مستتراً». وبعد ذلك، يكشف عن ارتباطه بالفكر الجمعي، مشيداً بـ«الروح الجماعية، ذلك الشيء الذي نرغب فيه جميعاً، والشعور بالترابط الذي يتجاوز خلافاتنا». ويضيف: «لقد جعلت الدولة التنظيمية حياة الأميركيين أفضل بكثير». كلمات تردد صدى تصريحات بينيتو موسوليني عن الدولة الشركاتية الكبرى، التي تعيد توزيع ثمار الجهد الوطني.
في الواقع، يزخر خطاب الشيوعيين الجدد في أميركا بالتناقضات؛ فهم يريدون تقليص ميزانية الشرطة، ويكادون يدعون إلى إلغاء القوات المسلحة، في حين أن جميع الأنظمة الشيوعية حتى الآن فعلت العكس تماماً، إذ أنشأت دولاً بوليسية، مدعومة بآلة عسكرية ضخمة.
إضافة لذلك، يتحدث الشيوعيون الجدد في أميركا عن الملكية الجماعية للأراضي، بينما تمتلك الحكومة الفيدرالية نحو 30 في المائة من إجمالي أراضي البلاد. وإذا أضفنا إلى ذلك الأراضي التي تمتلكها الولايات الخمسون، فإننا نكون قد وصلنا بالفعل إلى شكل من أشكال الملكية الجماعية، كتلك التي قامت عليها كونفدرالية تيكومسيه، والأخرى التي فرضها جوزيف ستالين في روسيا. ويتحدث هذا الفريق كذلك عن الملكية الجماعية لـ«وسائل الإنتاج والتبادل». غير أن تلك «الوسائل» مملوكة بالفعل لنحو 58 في المائة من الأميركيين من أصحاب الأسهم، والذين لن يسعدهم بالتأكيد التخلي عنها تحت مسمى «السيطرة الجماعية»، ناهيك عن عدد لا يحصى من الأميركيين، الذين يمتلكون شركات ومشاريع صغيرة ومتوسطة.
جدير بالذكر في هذا الصدد أن مسؤول الإسكان المعاون لعمدة نيويورك، ممداني، يقترح تجميد الإيجارات وتأسيس «تكتلات قوية من المستأجرين» ـ وصفة من شأنها تعميق أزمة الإسكان الخانقة في المدينة الكبرى. وفي مثل هذا الوضع، مَن الذي قد يرغب في الاستثمار في بناء مساكن بغرض تأجيرها؟
على صعيد متصل، يتمثل الوجه الدولي للشيوعيين الجدد في أميركا في الدعم غير المشروط لـ«حماس»، والتعاطف مع النظام الخميني في طهران، والمعارضة المنهجية لاستخدام الولايات المتحدة نفوذها وقوتها في الخارج، بغض النظر عن السياق.
وقد ظهرت أشكال مختلفة من الشيوعية المقنّعة في كثير من جولات الانتخابات الأميركية. وربما تكون انتخابات التجديد النصفي المقررة هذا الخريف، الأولى التي يتخلى فيها هؤلاء المتخفون عن أقنعتهم، وهذا أمر جيد.
وعلى ما يبدو، يعقد أصحاب الشيوعية المقنّعة آمالهم على نبوءة ماركس بشأن قانون التاريخ، الذي بموجبه تقود الشيوعية البدائية إلى الأخرى المتقدمة، بعد المرور بمراحل الإقطاع والرأسمالية والإمبريالية.
بيد أن الحقيقة أنه لا يوجد قانون للتاريخ. هناك فقط اتجاهات، وظروف، واحتمالات، وحوادث عرضية، وحظ جيد وآخر سيئ.
