اللغة أعظم النعم، وكذلك هي أخطر النعم، حسب كلمة هولدرلين، فقد حظي الإنسان باللغة لكي يكون عاقلاً ومسؤولاً، ليس عن تصرفاته فحسب، بل أيضاً عن كلماته التي فيها ومنها تصنعت العقول فأنتجت الأفكار، وفيها وجدت الأخيلة وسيلةً لكي تسلك مساراتها في تناسل ثقافي لا ينقطع. هذا ثراء يفرض التمعن في خطورة اللغة بوصفها مسؤوليةً يترتب عليها مغباتٌ أخلاقية وقانونية، وهذا ما استوجب ظهور مخترع ثقافي في صناعة الصمت الذي يعني تعطيل اللغة وتسكيت النطق فظلت الثقافة تضخ فينا الحس المتوجس من اللغة (وإن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب)، ومن ذلك كلمة تواترت شعراً ونثراً في المدونات، ونسبت أيضاً لعمر بن الخطاب تقول: ما ندمت على سكوتي مرةً لكن ندمت على الكلام مراراً. ودخلت الفكرة في أنظمة السلوك ومنها الحق القانوني للمتهم بالصمت إلى أن يحضر محاموه، وخيار المستجوَب سياسياً بألا يجيب على أي سؤال قد يوقعه في تجريم نفسه.
وتكررت هذه الجملة في استجوابات مجلس الشيوخ الأميركي مع شخصيات مهمةٍ ممن أجبروا على جلسات استجواب بقصد تثبيت تهمة ما عليهم، وفي تلك الاستجوابات نجحت لعبة الصمت أو في الأقل أخرت إجراءات الاتهام.
وفي الخطاب السياسي يتأزم الموقف مع الصمت فهو ممنوع على السياسي وعمله كله يقوم على الكلام، وإن كان الصمتُ لغيره حكمةً فالصمت له جريرةٌ محرجةٌ، كما أن للنطق مغباتٍ خطرةً، لذا لجأ الساسة لحيلة لغوية بين الصمت والنطق، وهي عبارة «لا تعليق»، إذ تتحصن ألسنتهم من مغبات اللسان، تلك المغبات التي حصدت منهم ألسنةً كثيرةً، وقبل الساسة كانت ألسنة الشعراء تقطع رزقهم وأحياناً أعناقهم كما حصل لطرفة بن العبد أبرز شهداء اللسان الطويل.
وتكشفت وظيفة الصمت مع انتشار وسائل التواصل واتخذت لنفسها صيغاً متنوعة من مثل خانة التسكيت وخانة الحظر من أجل قطع تدفق الكلام أو حماية الذات من الآخرين، ويكون الصمت هو وسيلة التحصن. وأرقى من ذلك مهارة «التغافل» بالكف عن مبادلة القول مع طرف قد يجر الحديث إلى مناطق متوترةٍ أو مستفزة، فالتغافل سمةٌ رفيعةُ المقام وصفها ابن حنبل بقوله «التغافل تسعة أعشار حسن الخلق»، وزاد بعضهم بأن التغافل هو الأعشار كلها لكمال حسن الخلق.
هذه كلها حصانات ضد مغبات الكلام فلسانك حصانك، إن صنته صانك وإن خنته خانك، حسب التجربة الحية في السلوك العام.
على أن الصمت أيضاً ينطق بأدق مستويات المعاني من حيث إن لغة الصمت صعبةٌ، والوصول إليها يحتاج لمهارات عالية في الإرسال والاستقبال معاً. وللمتنبي محاولةٌ ذكيةٌ في توظيف صمته، إذ وظف مخاتلات المعاني بين الصمت والنطق، في مناورة شعرية عميقة الوجع من حيث نشوء علاقة معمورة بالتوتر بين شاعر تعود على مجالس العز مع سيف الدولة، وحين فقد وجاهة ذلك المجلس ارتحل إلى كافور طالباً مجلساً يعوضه عما فاته في المجلس المفقود لكنه وجد نفسه في حصار بين المعاني المتوترة مع بعضها وهذا ما تصوره أبياته:
أَرى لي بِقربي منك عيناً قَريرةً
وَإِن كانَ قرباً بِالبعاد يشابُ
وهل نافعي أَن تُرفع الحُجبُ بيننا
وَدون الذي أَمّلت منك حجابُ
وَفي النَفس حاجاتٌ وفيك فطانةٌ
سكوتي بيانٌ عندها وخطاب
هذه لعبة ذكاء إبداعي نادر لكنها لم تتمكن من بلوغ درجة الاستقبال التي تليق بها، إذ اصطدمت باستقبال معاكس كسر مسار النص وحرفه إلى ملعب كافور، حيث تحركت حالة الغضب الصامت مقابل النص الصامت مما صنع معاني متحاربةً بين صمت وصمت، وكأن كافور فكك لعبة المتنبي وأنه لا يقول شعراً إنما يلقن مستمعه حجراً في صورة وردة لولا أنها وردة من شوك، وهذا دفع كافور إلى لعبة «التغافل» فتعمد قتل المعنى. وجاءت النهاية الحتمية نتيجةً لهذه المعركة في فهم هذا لذاك، وفي المقابل فهم أبو الطيب أن نهاية العلاقة مع كافور محسومةٌ فأخذها بيده وكتب قصيدته التي هجا فيها كافور وحوّله من أبي المسك إلى الأسود المخصي، ثم هرب من وجهه ليكون شهيد المعاني الذي انقلب عليه سحره وكأنها حالة تكرار لنهاية طرفة بن العبد. ولكن المتنبي هرب من وجه كافور لتقوده خطاه لليلةٍ كانت تنتظره بين خراسان والعراق فيها نهاية تليق ببطل ثقافي نادر المثال، وكافأته الثقافة مكافأة لمستواه إذ تحول صمته ليكون نطقاً يترنم به الدهر، وصوتاً يسمعه الأصم ونظراً يراه الأعمى كما تمنى لنفسه، وهذه حالة تمثل أبهى حالات السكوت العظيم.
وللصمت تحميلات دلالية في تجميل السكوت، ففي شعر الغزل يجري توظيف السكوت لصناعة لغة شعرية تخالف معاني المنطق وتحول الصمت لقيمة جمالية خالصة تتصنعها الثقافة للمرأة سنقول في وعينا الحديث إنها من نسقيات الثقافة الفحولية في تفضيل المرأة الصامتة، ومنها قول ابن ميادة:
بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له
ببعض الأذى لم يدرِ كيف يجيبُ
ولم يعتذر عذر البريء ولم يزل
له سكتةٌ حتى يقال مريبُ
ونقيضه مقولة «إطراق الشجاع» في إعلاء صمت الفحول كما ورد في الأمثال، ويعني في الأصل سكوت الثعبان وسكونه ومن تحته السم والتربص بالفريسة، ثم أصبح وصفاً للرجل الشجاع الحكيم من حيث دهاء إدارة الموقف وتقدير فرص الانقضاض.
هذه منظومة وظائف ثقافية تحاك عبر تقليب التعابير في صيغ تداولية تتقلب فيها الحالات بين الجمالي والقاتل، تتحول فيها النعمة إلى نقمة، ويصدق وصف اللغة بأنها أخطر النعم.
