انتهت مهلة الستين يوماً التي نصّت عليها مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران للتفاوض على اتفاق نهائي، بينما يتصاعد التوتر ومن دون أفق لتقدم فعلي نحو معالجة أسباب الحرب. ومع دخول الولايات المتحدة وإسرائيل أكثر فأكثر في مناخ الانتخابات، تتراجع احتمالات تحقيق اختراق سياسي كبير في المدى القريب، ويبقى لبنان عالقاً في دائرة الحرب واللاحرب. فلا الانسحاب الإسرائيلي تحقق، ولا ملف سلاح «حزب الله» تحرك، بينما تتعثر المفاوضات أمام شروط إسرائيلية تطالب الدولة اللبنانية بما لم تتمكن حتى الآن من تنفيذه.
هكذا تجد السلطة اللبنانية نفسها أمام دائرة مغلقة: إسرائيل تربط الانسحاب بإجراءات لبنانية في ملف السلاح، بينما لا يبدي «حزب الله» استعداداً لمعالجة هذا الملف بما يسمح للدولة بتغيير الموقف الإسرائيلي. ويبقى العامل الإيراني حاضراً بقوة، عبر تواصل متزايد لم يخفه مسؤولون إيرانيون مع الحزب ومقاتليه. وفي ظل الاحتلال الإسرائيلي المباشر والاحتلال المقنع الإيراني، تضيق مساحة القرار السيادي اللبناني وتصبح السلطة في مواجهة احتلالَين يتصارعان فوق أرضها. لكن هل يعني انسداد هذه الحلقة أن تنتظر الدولة اللبنانية تبدل المواقف الإسرائيلية والإيرانية ونتائج المواجهة الأميركية –الإيرانية، أم أن لديها ما تستطيع فعله في هذا الوقت الضائع من دون انتظار التسوية الكبرى؟
في مقابل الانتظار والمراوحة، ثمة خطوات قد تكون أقل صخباً من ملفي الانسحاب والسلاح، لكنها لا تقل أهمية: لماذا لا تبدأ الدولة بممارسة سلطاتها كاملة وفرض سيادتها حيث تستطيع؟
أعلنت السلطة، منذ أشهر، أن بيروت يجب أن تكون مدينة منزوعة السلاح. ولكن لماذا لا يتحول إلى مشروع أوسع يشمل المدن والمناطق التي تستطيع الدولة بسط سلطتها فيها من دون الاصطدام ببنية عسكرية موازية للحزب، من بيروت إلى طرابلس وصيدا وزحلة وجونية وجبيل وغيرها، وغالبيتها رافضة لسلاح الحزب وممارساته ومرحبة بعودة الدولة بكامل سلطاتها؟ ولا يتعلق الأمر بالسلاح وحده. فالسيادة ليست انتشاراً عسكرياً وأمنياً فحسب، بل هي حضور متكامل للدولة، بحيث تصبح المؤسسات الرسمية مرجعية المواطن الوحيدة. عندها لا نتحدث عن «منطقة نموذجية» مصطنعة أو تجربة محدودة جغرافياً، بل عن «لبنان نموذجي» يبدأ من المناطق التي تستطيع الدولة حكمها فعلياً، ويتوسع تدريجياً نحو المناطق التي يصعب عليها ذلك اليوم.
هذه المقاربة لا تحل مشكلة سلاح «حزب الله» مباشرة، ولا تؤدي تلقائياً إلى انسحاب إسرائيل، لكنها تغير موقع الدولة في المعادلة. فالمشكلة ليست فقط العجز عن نزع سلاح الحزب، بل ضرورة إثبات قدرتها على حصر السلاح وفرض القانون؛ حيث لا يملك الحزب بنية عسكرية تمنعها. فإذا عجزت عن فرض سلطتها حيث لا تواجه هذا العائق، كيف تقنع اللبنانيين والخارج بقدرتها على معالجة المعضلة الأصعب؟
وينطبق ذلك أيضاً على المفاوضات. فالخطوات غير المسبوقة التي اتخذتها السلطة، ومنها الانخراط في تفاوض مباشر مع إسرائيل، تحتاج إلى ما يثبت جديتها على الأرض. فمصداقية الدولة عربياً ودولياً تُبنى بقدرتها على تحويل مواقفها إلى إجراءات فعلية. ونجاحها في فرض نموذج سيادي على الجزء الأكبر من البلاد يعزز موقعها التفاوضي، ويجعل سلطة الدولة والسلاح والقانون الواحد هي القاعدة، في مقابل استثناء مسلح أكثر وضوحاً وأصعب تبريراً. مثل هذه الخطوة المتخيّلة تُظهر طبيعة الاحتلالَين المتصارعَين، وتتيح للدولة الاستعانة بالدول الصديقة، وبخاصة الولايات المتحدة، في جهود تحرير أرضها.
وهنا تكمن أهمية الانتقال من فكرة «المناطق النموذجية» إلى فكرة «لبنان النموذجي». فالمنطقة النموذجية قد تثبت نجاح تجربة محدودة، لكنها لا تثبت وجود دولة. أما استعادة السلطة وظائفها كاملة حيث تستطيع الوصول، فتؤسس لمسار تراكمي يعيد تعريف علاقة المواطن بالدولة ويضع القوى السياسية أمام معيار واحد: حيث تستطيع الدولة أن تحكم، يجب أن تحكم. ولا تستطيع السلطة وحدها إنجاح هذا المسار. فذلك يحتاج إلى تضافر القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وضغط شعبي يطالب بالدولة بدل الاكتفاء بمطالبتها بحل المعضلات الكبرى دفعة واحدة.
قد يطول الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك النفوذ الإيراني وملف سلاح «حزب الله» في انتظار تغيير موازين القوى الإقليمية. لكن انتظار الحل الشامل لا يجوز أن يصبح مبرراً لتعليق بناء الدولة. فالسلطة لا تستطيع دائماً البدء من أصعب نقطة، لكنها تستطيع أن تبدأ من حيث تملك القدرة على الفعل.
لهذا بدل أن نسأل اليوم متى تصبح كل الأراضي اللبنانية تحت سيادة الدولة، ينبغي أن نسأل لماذا لا تصبح الدولة صاحبة السيادة الكاملة، منذ الآن، على المناطق التي تستطيع الوصول إليها؟ فالمناطق النموذجية لا تصنع لبناناً نموذجياً، لبنان الدولة هو الذي يجعل كل مناطقه نموذجية.
