فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي. ألف عدداً من الكتب خصوصاً في مجال الفلسفة، بينها "الفلسفة الحرام" و"نقد خطاب السعادة".
TT

الرياض وباريس... قرنٌ من الشراكة

استمع إلى المقالة

لطالما تمكّنتِ العلاقات السعودية الفرنسيّة من مواكبةِ التطوّرات، لا السياسية والاستراتيجية فحسب، وإنما والتكنولوجية والثقافية والفنيّة أيضاً؛ فالعلاقات التي وُضِعت لبنتها الأولى في عشرينات القرن الماضي ما لبثتْ أن أخذت حيويّتها، حتى مع التغيّرات العاصفة في الإقليم والعالم، مما جعلها ترسم لشكل العلاقة نمطاً مستداماً يُمكّن الطرفين من تجديد سبُل التواصل، وتعزيز أواصر الشراكة ضمن القوّة التي يمتلكها كل طرف.

وعدا عن العلاقات الدبلوماسية المبكّرة وخوض الشراكات الاقتصادية والسياسية بقي البلدان يفتّشان باستمرار عما يبقي العلاقة مصقولة بتجديد أفكار التعاون، وهذا الذي نجحت به الرؤية السياسية السعوديّة التي تقوم على تجديد أساليب التعاون مع الشركاء التقليديين، بغية فتح المجال نحو تعاونٍ يليق بالتقدّم المهول في مجالات الكشوف العلمية والتكنولوجيات الحديثة. ولقد عكَست زيارة الأمير محمد بن سلمان ذلك في أحدث زيارة لباريس.

في السياق ذاته، أفاد «الإليزيه»، بأنَّ زيارة ولي العهد السعودي لباريس سيتخلّلها «توقيع كثير من الاتفاقيات الاقتصادية في مختلف القطاعات» وبشكل خاص بمجالات النقل والطاقة والصحة، هذا بالإضافة «لمناقشة تنويع مسارات إمدادات الطاقة»، لافتاً في الوقت ذاته إلى أنَّ ماكرون «سيحرص على الدعوة لزيادة الاستثمارات السعودية في فرنسا».

أما على الجانب المصاحب، فقد أقيم «كأس العالم للرياضات الإلكترونية» الذي وصفتْه الصحافية مريم الجهني في مجلة «المجلة» في مقالها ذي العنوان: كأس العالم للرياضات الإلكترونية... من «هجوم العمالقة» إلى الشانزليزيه، وتقول فيه: «من الرياض انطلقت الفكرة، وإلى باريس امتدت التجربة... لم تعد الرياضات الإلكترونية تكتفي بمساحة المنافسة داخل الألعاب، إذ تتجه بطولات هذا القطاع إلى بناء تجارب تتجاوز شاشة الحاسوب والمنصات الرقمية، لتجمع اللاعبين والجماهير وصناع المحتوى ونجوم الرياضات التقليدية في مساحة واحدة. وفي باريس، تبدو هذه التحولات واضحة مع استضافة العاصمة الفرنسية النسخة الدولية لهذه السنة من كأس العالم للرياضات الإلكترونية...».

غير أنني أضيف إلى أن مثل طاقات النفوذ هذه التي تتمتع بها السعودية في إدارة العلاقات مع الدول والشعوب معاً أساسيّة، بغية التجديد وإدخال الفرح على الناس وإدماجهم في الأفكار التي يطمح إليها القادة في المستقبل؛ الحفل والحضور والأفكار التي تبعها لم يكن مقتصراً على الشكل الرياضي، وإنما يمنح المشاهد الأوروبي الفرصة ليطّلع على شكل الطموح المراد له أن يرى كل بواكيره عبر العقود القادمة، وذلك ضمن مسارٍ مخططٍ له، وقد تم بالفعل تعبيدُ الطرق نحو الحلم لكي تتلاقى الطموحات بين الأمم والدول والسياسات والاستراتيجيات والشعوب.

عبر التاريخ استطاعت الأفكار غير السياسية تمتين العلاقات السياسية وتجذيرها، وبخاصةٍ ما يتعلق بدور الفنون والرياضات والآن الرياضات الإلكترونية، حيث هي السحر في العالم، إذ أصبحت لغة مشتركة بين الناس على مختلف ثقافاتهم وأجيالهم وانتماءاتهم الحضارية، والسياسة هي الشكل النهائي لمجموع شبكات التعاون بين الدول والشعوب، وهي التي تختصر طُرق التعاون، فكل بعيدِ في السياسة يمكن تقريبه بقوى النفوذ الرديفة الأخرى، وبخاصةٍ بما تختزنه مجالات الثقافة والرياضة من طاقة جذبٍ وعناصر غنى.

الخلاصة؛ أن العلاقات السعودية الفرنسية بُنيت على أساسٍ متين، وهي الآن تبلغ حالة قصوى من الثبات والديمومة؛ ويمكن للدول الأوروبية الاستفادة من هذه الأفكار التي عكستْها الزيارة الأخيرة بغية الاستثمار الاقتصادي، والتقارب السياسي، والغنى الثقافي والمجتمعي والحضاري، وهذا كله يصبّ في صالح الإقليم والعالم نحو مزيدٍ من الرفاه والنموّ والاستقرار.