منذ المرة الأولى التي قرأت فيها عن ابن خلدون، قبل أكثر من نصف قرن، وأنا أفكر في الكتابة عن هذا المفكر العربي العظيم، لكن في كل مرة أحجم وأنصرف. لأن الكتابة عن ابن خلدون، وهي بالنسبة لي لن تكون أكثر من مقالة أو بضع مقالات أشير فيها إشارات سريعة إلى بعض جوانب عبقريته- الكتابة عنه سباحة في محيط أو مغامرة تبدأ ولا تكاد تنتهي. وكيف ينتهي الحديث عن رجل عرف ما عرفه ابن خلدون قبل أن يعرفه غيره من البشر؟ فإذا أردت الآن بعد ستة قرون من رحيله أن أكتب عنه فعليَّ أن أتعرف على هذا العالم الذي أحاط به، أي أن أقرأ تراثه الحافل بكل جوانبه، وأن أقرأ فضلاً عن ذلك ما كتبه الذين سبقوا لقراءة أعماله وهم أجيال، ولغات، وثقافات، ومذاهب.
أخيراً، قلت لنفسي: أكتب عن هذه التجربة الفكرية الصعبة، عن هذه السيرة التي لم تستطع لحد الآن أن تقترب منها، رغم النداء الذي يزداد كل يوم إلحاحاً وإغراءً وأنت تبدو كأنك تفر!
غير أني بدأت المقالة وسوف أكملها. ولا أعِد نفسي ولا أعِد أحداً ما لا أستطيع الوفاء به.
لا أستطيع في هذه المقالة ولا في غيرها أن أحيط بتراث ابن خلدون، ولا أستطيع أن أكشف عن المواهب والفضائل والطاقات التي منحته هذه العبقرية الخارقة، ومكّنته من الوصول إلى علم لم يكن له وجود حين بدأ سعيه إليه، وإنما أظهره ابن خلدون بهذا السعي وجعله موجوداً ومتاحاً لمن يريد أن يعرف كيف أصبح البشر بشراً؟ كيف تحولوا من أفراد إلى جماعات، وكيف تحولت الجماعات إلى مجتمعات، وكيف خرجت هذه المجتمعات من عصورها البدائية وأصبحت بلاداً ومدناً، وكيف صار التاريخ عمراناً لا يعرف فقط بما وقع فيه من أحداث تنسب للزمن الذي وقعت فيه، وإنما يعرف بالأسباب والتجارب والقوانين التي حولته إلى شعوب وأوطان وثقافات وحضارات. وبدلاً من أن يكون السؤال الوحيد المطروح في تاريخ الإنسان هو متى حدث؟ أضاف له ابن خلدون سؤالاً آخر بالغ الأهمية هو: كيف حدث؟
***
الإجابة في السؤال الأول تقدمها الذاكرة فتستحضر الأيام والشهور والأعوام. وبهذه الإجابة وحدها يصبح تاريخ الإنساني تكراراً وتراكماً، ويكون العلم حفظاً ونقلاً وترديداً وإعادة، وتكون الحياة الإنسانية طريقاً يبدأ وينتهي دون أن يحرك فيه الإنسان ساكناً، أما الإجابة في سؤال ابن خلدون فيقدمها العقل والمنطق والذاكرة، والرغبة في المعرفة والاكتشاف، والنظر في النهضة والسقوط، وفي الغنى والفقر، والعلم والجهل، والتقدم والتراجع، والنصر والهزيمة، في الإنتاج المادي، وفي النشاط الفكري، وفي السياسة والاقتصاد، وفي العلاقة بين هذه المجالات كلها وتأثير كل منها في غيره.
وحين يتمكن الإنسان من الإحاطة بالأسباب والعوامل والعلل التي تتحقق بها الحوادث وتصير عنده خبرات وعبراً يصبح قادراً على التوقع وقراءة المستقبل والمشاركة في صنعه، ويصير التاريخ تنبؤاً وتطوراً. وبهذا العلم، علم الاجتماع والعمران انتقل البشر من ظلمات العصور الوسطى إلى العصور الحديثة، وعرفوا معنى الماضي ومعنى الحاضر، واكتشفوا قوانين التطور والارتقاء.
***
وأنا هنا لست شاهداً يمكن أن يتهم بالتحيز، ولست أعبّر عما عرفته بنفسي مما قرأته لابن خلدون، وإنما أنقل ما قاله الآخرون مستفيداً بما قدمه بعض الكتاب المصريين الذين نقرأ لهم ما كتبوه عن ابن خلدون وما نقلوه عن الأجانب الذين درسوا أعماله فنجد أن الأوروبيين خاصة يعرفون الحكيم العربي أكثر بكثير مما نعرفه. وهذا أمر طبيعي؛ لأنهم يتقدمون فيزدادون اقتراباً منه، ونحن نبتعد عنه فنكاد ننساه!
وابن خلدون معروف في أوروبا منذ نهايات القرن السابع عشر. ومقدمته التي شرح فيها أفكاره تُرجمت بنصها العربي في أواسط القرن التاسع عشر. والمجال لا يتسع لأنقل ما يكفي مما قاله أمثال سلفستر دي ساسي الفرنسي، وفون هامار النمساوي وغيرهما ممن وقفوا أمام ابن خلدون مبهورين بما وجدوا في تراثه من حقائق علمية لم يعرفوها إلا بعد ابن خلدون بعصور طويلة. نظريات فلسفية واجتماعية واقتصادية رددها ميكافيلي، وفيكو، ومونتسكيو، وآدم سميث، وأوغست كونت بعد ابن خلدون بقرون عدة. وهم يلخصون حديثهم عنه فيقولون إن الإيطاليين أرادوا أن يجعلوا من فيكو أول عالم اجتماع في أوروبا، وها نحن نرى عالماً مسلماً يدرس الظواهر الاجتماعية منذ قرون عديدة، ويصل في دراسته إلى النتائج التي شكَّلت علم الاجتماع. وهذا قليل جداً من كثير جداً يجب أن نعرفه عن ابن خلدون الذي لم نعد نتذكره، فهل آن لنا أن نحيي ذكراه؟
إننا حين ننصفه ننصف أنفسنا، والوقت مناسب في هذه الأيام.
فبعد ست سنوات من اليوم تحل الذكرى المئوية السابعة لميلاده. وبيننا وبينها وقت نستطيع فيه أن نعد العدة لإحيائها بالصورة التي تليق بهذا العبقري العربي وبتراثه العظيم وحياته الحافلة بالمدهش المثير؛ لأنها لم تكن حياته وحده، وإنما كانت حياة البلاد التي تنقل فيها مشرقاً ومغرباً، والأحداث التي شارك في صنعها. وباستطاعتنا في السطور التالية أن نشير إشارات سريعة إلى هذه الحياة التي لا تتسع لها المجلدات.
ولا شك في أن ابن خلدون كان يعرف ذلك عن نفسه فكتب سيرته الذاتية التي أنهى بها مؤلفه العظيم في التاريخ وتفسيره، مبتدئاً في هذه السيرة بالحديث عن أجداده العرب الذين استوطنوا الأندلس وشاركوا في حياته السياسية ثم رحلوا إلى تونس، حيث ولد ابن خلدون ونشأ وانخرط في الحياة الثقافية والسياسية في مدن المغرب والأندلس، وكان هو وعائلته طرفاً مشاركاً ومؤثراً في الصراعات السياسية التي دارت في ذلك العصر الذي فقدنا فيه الكثير، حتى قرر أن يتفرغ للعلم فرحل إلى مصر، حيث قضى الشطر الأخير من حياته، نحو ربع قرن، منصرفاً للتأليف والتدريس والقضاء.
وسوف نعود للحديث عن هذا الرجل إحياءً لذكراه التي لا يصح أن تكون مجرد مناسبة، وإنما يجب أن تظل حاضرة على الدوام.
