إياد أبو شقرا
صحافي وباحث لبناني، تلقى تعليمه العالي في الجامعة الأميركية في بيروت (لبنان)، وجامعة لندن (بريطانيا). عمل مع «الشرق الأوسط» منذ أواخر عقد السبعينات وحتى اليوم، وتدرج في عدد من المواقع والمسؤوليات؛ بينها كبير المحررين، ومدير التحرير، ورئيس وحدة الأبحاث، وسكرتير هيئة التحرير.
TT

عالم وإنسان... ولكن بلا إنسانية

استمع إلى المقالة

المسألةُ محسومةٌ... لا علاقة إطلاقاً بين الشَّاعر العربي القديم دِعبل الخُزاعي من جهة، وإيلون ماسك وسام ألتمان من جهة ثانية. هكذا يقول المنطق وتؤكد الأرقام.

فدعبل شاعر عربي عاش إبان العصر العباسي في العراق بين عامي 765 و835 م، في حين أن ماسك جنوب أفريقي-كندي-أميركي الجنسية، وألتمان أميركي. وهما يعيشان معنا في عصرنا هذا... ولكن، ربما، إذا قيّضت لهما ثرواتهما المالية الهائلة وشركاتهما التكنولوجية المتقدمة، سيعيشان لعصور وقرون عديدة مقبلة! دعبل المسكين قال ذات يوم:

إني لأفتحُ عيني حينَ أفتحُها

على كثيرٍ ولكنْ لا أرى أحدَا

بينما يرى ماسك أن «العيب الأساسي للحضارة الغربية هو... التعاطُف!».

نعم، صدّق أو لا تصدّق، «التعاطف» أو «الطيبة مع الآخرين». أما زميله ألتمان، فنقل عنه أخيراً، في معرض كلامه عن الإنجازات العلمية والتكنولوجية الفذة، قوله إنه «ما عاد هناك أي لزوم للبشر(!)»، وذلك لأنَّ كل المهام التي يؤديها الإنسان باتت ضمن قدرات الذكاء الاصطناعي والروبوتات، التي ستتفوّق عليها في القريب العاجل.

الكلام عن الاستغناء عن الإنسان، صار في الحقيقة كلاماً رائجاً. وما عاد يتحرّج منه أولئك الذين لا يرَون للإنسان حاجة له إلا إذا كان مُستهلِكاً... وإلا لماذا يقاسمهم الهواء والماء والأرض!

ما الحاجة لوجود الملايين والمليارات من الأفواه الجائعة؟ وهل يجوز «تحمّل» الأكواخ التي تغصّ بساكنيها البسطاء، والأحياء الشعبية القذرة في مدن العالم الثالث الفقيرة... التي تلوّث هواء الأرياف الأخضر والضواحي المنعّمة في عالم المَيسورين المستفيدين من ابتكارات ماسك وألتمان؟

قد يقول قائل إن تلك الابتكارات لن تكون حِكراً على الميسورين. وقد يكون هذا الكلام صحيحاً، بل أرجو أن يكون صحيحاً. لا سيما أن ماسك بشّرنا، بالأمس، بزرع أول أجهزة الرؤية في أجسام البشر خلال 12 شهراً... ما سيُمكِّن الكفيف من الإبصار. وأوضح ماسك -متّعه الله بالصحة والعافية- أن شركته «نيورالينك»، المتخصّصة في تطوير ابتكارات تتّصل بتجديد الخلايا العصبية، ومنها الخلايا البصرية، ستزرع أجهزة رؤية... ستمكّن الكفيف تماماً منذ الولادة، من الإبصار. وتابع أنه في المدى البعيد ستغدو الرؤية فائقة الوضوح، بل إن البشر سيكتسِبون «قدرات بصرية خارقة» حقيقية، وسيتمكّنون من رؤية الأشعتين «ما تحت الحمراء» و«ما فوق البنفسجية» غير المرئيتين في العين العادية.

وأكثر من هذا، كانت تقارير عدّة خلال الأشهر الفائتة، قد أفادت بأن أمراضاً وعاهات عديدة في الجهاز العصبي، بعضها وراثي، قد تكون أبحاث «نيورالينك» وغيرها في طريق القضاء عليها وجعلها من الماضي.

في الحقيقة، أنا شخصياً، متفائلٌ جداً بهذا الجانب. فالعديد من المستنبطات الروبوتية والاستشعارية والتطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي بات متوافراً في مناطق كثيرة من العالم، وفي مجالات واسعة تتراوح بين ظهور السيارات بلا سائق... إلى الجراحة بلا جراحين والصحافة بلا صحافيين! إلا أن المشكلة، بالنسبة إلى شخص مثلي، ليست في مجرّد القدرة على التطوير والابتكار، بل في الحصيلة العملية النهائية لهما. بلا أدنى شك، التقدم العلمي ضرورة حياتية... ما دامت هناك كائنات حيّة، في صميم حقها الإنساني أن «تعيش إنسانيتها».

البشر لا يعيشون فقط لتفادي البديل، أي الموت. بل هم يعيشون كي يكونوا كائنات آمنة ومنظّمة في مجتمعات تحكمها القِيَم والمبادئ والأخلاق والمشاعر الإيجابية. وهذه هي الفوارق التي قرأنا عنها، واستفدنا من إدراك مضامينها، بين المحطات التي مرّ فيها تاريخ البشر منذ العصر الحجري.

ما تعلمناه أن مفهوم «الحق بالعيش» تطوّر ليؤكد «الحق في العيش الكريم». ومفهوم «العيش التشاركي» أو المشترك تبلوَر في «الاقتناع بتقبّل الاختلاف» والتسامح معه، ومن ثم قوننته في «الأنظمة والدساتير». ومفهوم «الرفاه» استند إلى «التعلّم والمعرفة والتدرب على المهارات»... ومن ثم «تهذيب المعرفة» عبر الفنون والذوق والاستمتاع بمباهج تسمو على ضرورات البقاء وحدها.

اليوم، حتى في أرقى المجتمعات، نجد للأسف، وبالتوازي، التقدم العلمي التطبيقي -التكنولوجيا المتطورة- والتراجع المخيف للقِيَم والمبادئ والأخلاق والمشاعر الإيجابية...

العنصرية الجامحة نراها تذر بقرنها الآن في بعض أرقى مجتمعات العالم وأكثرها «ديمقراطية». وازدراء القوانين وهيبة القضاء صار ممارسة مقبولة تبرّرها المصلحة الشخصية أو الحزبية.

بل، حتى التشكيك في الأعراف والمؤسسات الدولية الناظمة لعلاقات الدول، غدا أمراً عادياً مقبولاً... بعدما قصر التعليم في الشق التربوي من مهمته، وفشل الإعلام في أداء دوره الرقابي الذي استحقّ بفضله أن يُدعى «السلطة الرابعة»... المُفترض أن عليها واجب صون الديمقراطية في الدول الحرة.

وفي الخلاصة، التقدّم العلمي والتقني أكثر من ضرورة لتطوّر الإنسان، لكن لا قيمة للإنسان من دون إنسانية.