ديف لي
بالاتفاق مع «بلومبرغ»
TT

زوكربيرغ و«ميتا» والذكاء الاصطناعي

استمع إلى المقالة

بعد مشاهدة مقطع فيديو لمارك زوكربيرغ وهو يتبارى مع أحد أبطال بطولة القتال النهائي على متن بارجة في وسط بحيرة تاهو، قد تكون ميالاً لإهمال واستبعاد مقاله المنشور مؤخراً، الذي يتظاهر فيه برداء «رجل الشعب». إذ يحاول في هذا المقال إظهار شركته - التي تدفع مئات الملايين من الدولارات كتعويضات عن الأضرار التي لحقت بالأطفال - على أنَّها شركة الذكاء الاصطناعي التي ستخوض النضال وتقاتل من أجلك وأجلي ومن أجل كل ما يهتم به المجتمع (مثل كسب العيش).

وخلافاً للمنافسين مثل «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، كتب زوكربيرغ في مقاله الذي تجاوز 6500 كلمة، أن شركة «ميتا بلاتفورمز» تبني وتطور الذكاء الاصطناعي «في المقام الأول» لصالح الأفراد وليس لصالح الشركات والحكومات، مشيراً إلى أن مختبرات الذكاء الاصطناعي الأخرى تمتلك دوافع ومحفزات مساومة ويجب ألا تكدس وتحشد الكثير من السلطة والقوة، وإلا فإن الاستبداد والتعسف سيكونان في الانتظار. وقد يكون محقاً في ذلك، بيد أن التلميح إلى أن «الذكاء الفائق الشخصي» لشركته - مهما كانت ماهيته في نهاية المطاف - سيكون بالتالي أفضل للبشرية من أولئك المنافسين يُعد شططاً ومبالغةً، على أقل تقدير.

بداية، وحول مسألة بناء نماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة أو مغلقة، فقد تراجع في رأيه مرتين، وهو ما أظنه يعيده إلى حيث بدأ، غير أنه يزعم الآن أن شركته لم تتزعزع قط في هذا الاعتقاد. وفي الحقيقة، فإن تركيز زوكربيرغ على الذكاء الاصطناعي، شأنه شأن آرائه السياسية الظاهرة، قد تأرجح بين الانفتاح والإغلاق بناء على إخفاقات شركة «ميتا» وتوجهات العصر. وقد ركزت أحدث النقاشات في أوساط الذكاء الاصطناعي على كيفية نمو قدرات نماذج الأوزان المفتوحة الصينية وفاعليتها من حيث التكلفة - وهي النماذج التي يمكن تخصيصها بدرجة أعلى وتشغيلها بنحو مستقل عن مبتكريها الأوائل. ولمواكبة ذلك، يرى زوكربيرغ أنه ينبغي لنا جعل إنشاء وإطلاق نماذج مفتوحة الأوزان أسهل وأقل تكلفة.

وتُعد هذه المحاولة لإظهار «ميتا» بمظهر المدافع عن التكنولوجيا اللامركزية أمراً يدعو للسخرية؛ إذ يفترض زوكربيرغ أن الجميع قد نسوا أن استراتيجية «ميتا» في العالم النامي في مرحلة ما كانت تهدف أساساً إلى إضفاء المركزية على الإنترنت من خلال مشروعها «Internet.org» الذي كان سيئ الحظ ولم يحالفه التوفيق.

ومن ثم، تتمثل استراتيجية زوكربيرغ في استخدام تاريخ شركته في تقديم أداة مجانية لمليارات المستخدمين كدليل على قدرته ورغبته في فعل الشيء ذاته مع الذكاء الاصطناعي. ولتقديم المزيد من الدلائل على الأثر الإيجابي الذي يمكن أن يحدثه «الذكاء الفائق الشخصي» لشركة «ميتا» على الأفراد الحقيقيين، يشير زوكربيرغ إلى مقاطعة ريتشلاند في لويزيانا، إذ حصل المعلمون على مكافأة قدرها 50 ألف دولار بفضل أرباح ضريبية غير متوقعة ناتجة عن مشروع إنشاء مركز بيانات لشركة «ميتا». وهو أمر ليس بالسيئ في منطقة يبلغ فيها متوسط أجر المعلم 40920 دولاراً، وفقاً لصحيفة «شريفبورت - بوسير سيتي أدفوكيت». فمن ذا الذي قد يعارض ذلك؟

لكن ما لم يذكره زوكربيرغ هو الإعفاءات من ضريبة المبيعات على مستوى الولاية التي تحصل عليها «ميتا» مقابل بناء مركز البيانات؛ كما لم يتطرق إلى كيفية نجاح الشركة في خفض معدل ضريبة الدخل الفيدرالية الأميركية الإجمالي إلى 3.5 في المائة فقط في عام 2025، وفقاً لمعهد الضرائب والسياسة الاقتصادية. ولم يذكر كذلك أنه يتوجب على المعلمين توخي الحذر والوعي بأن هذه الإوزة التي تبيض ذهباً ستتوقف بمجرد انتهاء أعمال الإنشاءات، قبل وقت طويل من توقف المنشأة عن توليد مليارات الدولارات لمشغلها.

غير أنه أعلن، رغم ذلك، عن إنشاء صندوق جديد باسم «صندوق المستقبل للجميع» بقيمة مليار دولار، الذي ستذهب أمواله إلى أمور غير واضحة تماماً؛ فالمليار دولار لا يحدث فارقاً كبيراً في لعبة الذكاء الاصطناعي.

ونحن نعلم بالطبع السبب وراء هذه الحملة الترويجية. ففي جميع أنحاء الولايات المتحدة، باتت توجهات الناخبين وآراؤهم تجاه شركات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات التي ترغب في إنشائها في الحضيض. إذ يجري فرض حظر شامل على عمليات الإنشاء والتطوير، مع التخطيط للمزيد منها. كما يفوز المرشحون السياسيون الذين يتبنون مواقف صارمة ضد هذه المنشآت الضخمة المستهلكة للطاقة عبر مختلف أطياف المجتمع السياسي، ويدرك زوكربيرغ - الذي بدا على الأقل أنه يفكر في خوض انتخابات الرئاسة عندما كان يحظى ببعض الشعبية - جلياً أن الوقت ينفد والعد التنازلي يجري لتغيير جانب من هذا الخطاب مع اقتراب الولايات المتحدة من انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

أما بالنسبة لأولئك الذين لم ينخدعوا باستعراض أعمال الخير، فإن مقال زوكربيرغ يقدم العصا المتوقعة جنباً إلى جنب مع الجزرة. إذ يكتب أن «أي سياسة» من شأنها تأخير تطوير الذكاء الاصطناعي «ولو لشهر واحد فقط»، سواء أكان ذلك من خلال الرقابة التنظيمية على النماذج الجديدة أم تباطؤ التوسع في البنية التحتية، ستشهد تقدم الصين واستحواذها على المشهد. وهو يرسم سبيلاً للالتفاف على ذلك من خلال «التعاون» - وهي كلمة تعني بلسان وادي السيليكون طريقة أخرى لضمان تحقق الابتكارات وفقاً لشروط الشركات، لا شروط أي طرف آخر.

مقال زوكربيرغ المسهَب يكشف مجدداً كيف أن استراتيجيته لـ«الذكاء الفائق الشخصي» مجرد شعارات رنانة لا تعكس تقدماً حقيقياً، بل استراتيجية غامضة الملامح تتغير مساراتها بين يوم وآخر.

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»