من الإنفاق السخي إلى «قنبلة الديون»... فرنسا أمام اختبار مالي وسياسي حاسم

ارتفاع تكلفة الاقتراض يضيّق هامش المناورة أمام الحكومة قبل انتخابات رئاسية محتدمة

طلاب المدارس الثانوية الفرنسية يتجمعون أمام مدرسة ليسيه صوفي جيرمان الثانوية في باريس (رويترز)
طلاب المدارس الثانوية الفرنسية يتجمعون أمام مدرسة ليسيه صوفي جيرمان الثانوية في باريس (رويترز)
TT

من الإنفاق السخي إلى «قنبلة الديون»... فرنسا أمام اختبار مالي وسياسي حاسم

طلاب المدارس الثانوية الفرنسية يتجمعون أمام مدرسة ليسيه صوفي جيرمان الثانوية في باريس (رويترز)
طلاب المدارس الثانوية الفرنسية يتجمعون أمام مدرسة ليسيه صوفي جيرمان الثانوية في باريس (رويترز)

تجد فرنسا نفسها أمام واحدة من أصعب أزماتها المالية منذ عقود، بعدما تحوّلت سنوات الإنفاق الحكومي المرتفع إلى عبء متزايد على المالية العامة، في وقت ترتفع فيه تكلفة الاقتراض وتتراجع شهية المستثمرين تجاه السندات الفرنسية، بينما يبدو النظام السياسي عاجزاً عن الاتفاق على إجراءات تصحيحية قادرة على وقف تدهور العجز والدين.

ومع اقتراب عائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل 10 سنوات من 5 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ عام 2002، تتزايد مخاوف الأسواق من دخول ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو في حلقة مفرغة، ترتفع فيها تكلفة خدمة الدين، فتتقلص قدرة الحكومة على تمويل الاستثمارات والإنفاق الاجتماعي، ويؤدي ذلك بدوره إلى زيادة الضغوط على المالية العامة.

وتبلغ ديون فرنسا نحو 4 تريليونات دولار، أي ما يقارب 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تشير تقديرات إلى أن تكلفة خدمة الدين قد تصل إلى نحو 100 مليار دولار في 2027. وبحلول 2030، من المتوقع أن ترتفع تكلفة خدمة الدين بنحو 59 في المائة، لتصبح واحدة من أكبر بنود الإنفاق الحكومي، وربما تتجاوز الإنفاق العسكري بنهاية العقد.

ولا تقتصر المشكلة على حجم الدين الحالي. إذ تواجه فرنسا استحقاقات تتجاوز قيمتها تريليون دولار حتى عام 2030، بينما تعتزم إصدار ما يقارب 380 مليار دولار من الديون الجديدة العام المقبل، وهو مستوى قياسي، في وقت لم تعد فيه بعض مصادر الطلب التقليدية على السندات الفرنسية بالقوة نفسها التي كانت عليها خلال سنوات أسعار الفائدة المنخفضة.

كما أن البنك المركزي الفرنسي لم يعد يشتري السندات الحكومية، بل يسمح لمحفظته بالتقلص مع استحقاق السندات، بينما خفّض مديرو أصول يابانيون كانوا من المستثمرين المستقرين في السندات الفرنسية تعرضهم للسوق. أما صناديق التحوُّط التي دخلت لتغطية جزء من الفراغ، فقد تعرض بعضها لخسائر مع اشتداد تقلبات السوق.

وتستند هذه المعطيات والأرقام إلى تقارير نشرتها صحيفتا «وول ستريت جورنال» و«نيويورك تايمز»، تناولت تصاعد أعباء الدين والاقتراض في فرنسا، إلى جانب الاحتجاجات والإضرابات والجمود السياسي الذي يسبق الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2027.

اجتماع أزمة وزاري للحكومة الفرنسية برئاسة سيباستيان ليكورنو لبحث أزمة إغلاق المدارس الثانوية في ساحة بوفو بباريس (أ.ف.ب)

من «مهما بلغت التكلفة» إلى فاتورة الدين

تعود جذور الأزمة إلى سنوات طويلة من الإنفاق العام المرتفع، إذ لم تسجل فرنسا موازنة متوازنة منذ عام 1974. وعلى مدى عقود، توسعت الدولة في تمويل منظومة واسعة من الخدمات الاجتماعية والدعم الحكومي، مما جعل خفض الإنفاق أكثر صعوبة من الناحية الاقتصادية والسياسية.

وعندما تولى إيمانويل ماكرون الرئاسة في 2017، قدّم نفسه باعتباره إصلاحياً قادراً على إعادة المالية العامة إلى مسار أكثر انضباطاً. وأجرى إصلاحات في سوق العمل، وخفَّض ضرائب الشركات، وألغى ضريبة الثروة، وهي إجراءات ساعدت، وفق أنصاره، على دعم النمو وخفض العجز إلى أقل من الحد الأوروبي البالغ 3 في المائة من الناتج في السنوات الأولى من رئاسته.

لكن الأزمات المتلاحقة دفعت ماكرون تدريجياً إلى استخدام الإنفاق الحكومي أداةً رئيسية لاحتواء الاضطرابات.

بدأ ذلك خلال احتجاجات «السترات الصفراء» عندما خصصت الحكومة ما لا يقل عن 10 مليارات يورو لتهدئة الحركة الاحتجاجية، ثم اتسع الإنفاق بصورة كبيرة خلال جائحة «كوفيد-19» وأزمة الطاقة التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا.

وكان شعار ماكرون خلال تلك الفترة «مهما بلغت التكلفة»، في إشارة إلى استعداد الحكومة لتوفير الدعم المالي للشركات والأسر مهما ارتفعت الفاتورة.

لكن بعض الإجراءات التي قُدمت في البداية باعتبارها مؤقتة تحولت إلى التزامات مالية مستمرة. فقد خفضت الحكومة ضرائب الشركات بنحو 10 مليارات يورو إضافية سنوياً، ورفعت أجور العاملين في قطاع الرعاية الصحية العامة، كما موَّلت برنامجاً واسعاً لدعم أجور العاملين في الشركات خلال الجائحة.

ولم تنته بعض برامج الدعم بعد انتهاء عمليات الإغلاق. واستمرت شركات، من المطاعم الصغيرة إلى المؤسسات الكبرى، في الاستفادة من برامج كان يفترض في الأصل أن تكون بمثابة دعم مؤقت خلال الأزمة.

ثم أنفقت الحكومة عشرات المليارات من اليورو على دعم أسعار الطاقة بعد الحرب في أوكرانيا، عبر وضع سقف لأسعار الكهرباء والغاز، واستمر جزء من هذه الإعانات حتى بعد تحسن إمدادات الغاز الأوروبية.

ضباط شرطة فرنسيون يدفعون حاوية نفايات مشتعلة خلال احتجاج طلاب مدرسة ثانوية ضد الحكومة أمام مدرسة كانتو الثانوية في أنغليت جنوب غرب فرنسا (د.ب.أ)

أخطاء في الحسابات تكشف حجم الفجوة

بدأت آثار هذه السياسة تظهر بوضوح في 2023، عندما اكتشفت وزارة المالية الفرنسية أن إيرادات الضرائب جاءت أقل بكثير من التوقعات، بينما تجاوزت بعض بنود الإنفاق تقديراتها.

وفي مذكرة سرية تلقاها وزير المالية آنذاك برونو لومير في ديسمبر (كانون الأول) 2023، حذر مسؤولو الخزانة من نقص في الإيرادات الضريبية، مشيرين إلى أن ضريبة استثنائية فُرضت على منتجي الطاقة لاستعادة جزء من تكلفة دعم أسعار الطاقة لم تحقق سوى جزء من الإيرادات التي توقعتها الحكومة.

كما جاءت إيرادات ضريبة القيمة المضافة أقل من المستهدف، في حين جرى التقليل من تقدير تكلفة الإنفاق الحكومي بنحو 3 مليارات يورو.

وقدّر مسؤولو الخزانة آنذاك أن هذه الأخطاء يمكن أن ترفع عجز الموازنة لعام 2023 إلى 5.2 في المائة من الناتج، مقارنة بتقدير سابق عند 4.9 في المائة، ما كان سيترك فجوة بنحو 9.2 مليار يورو في المالية العامة.

وفي فبراير (شباط) التالي، أظهرت مذكرة أخرى أن العجز قد يصل إلى 5.6 في المائة في 2023، بينما يمكن أن يتسع عجز 2024 إلى 5.7 في المائة، مقارنة بتقدير قدره 4.4 في المائة في الموازنة التي أقرها البرلمان.

وأصبح أمام لومير فجوة تقارب 40 مليار يورو يتعين سدها، لكنه رأى أن الحكومة لا تستطيع إجراء تخفيضات بالحجم المطلوب من دون موافقة البرلمان.

رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو يتحدث خلال اجتماع أزمة وزاري مشترك بشأن إغلاق المدارس الثانوية في ساحة بوفو بباريس (أ.ف.ب)

السياسة تعطل العلاج

هنا اصطدمت الحسابات الاقتصادية بالواقع السياسي.

كانت الحكومة بحاجة إلى خفض الإنفاق، لكن أي محاولة لتمرير إجراءات تقشفية واسعة كانت تهدد بإشعال مواجهة جديدة داخل الجمعية الوطنية، المنقسمة بين اليمين المتطرف والوسط المؤيد لماكرون وتحالف يساري واسع.

وكان رئيس الوزراء السابق غابرييل أتال يفضل استخدام الصلاحيات التنظيمية للحكومة لإجراء التخفيضات من دون فتح معركة برلمانية واسعة، خشية أن تطالب المعارضة في المقابل بزيادة الضرائب، بما قد يضر بالنمو.

لكن عامل الانتخابات كان حاضراً أيضاً

ومع اقتراب انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024، كان ماكرون متردداً في الدخول في مواجهة مالية كبيرة مع الناخبين. وبعد أن حقق حزب التجمع الوطني بزعامة مارين لوبان نتائج قوية في الانتخابات الأوروبية، اتخذ ماكرون قراراً مفاجئاً بحل الجمعية الوطنية والدعوة إلى انتخابات مبكرة.

وثيقة كُتب عليها «مشروع قانون موازنة 2027» بعد عرض مشروع موازنة الدولة لعام 2027 في باريس (أ.ف.ب)

بدلاً من أن تعزز الانتخابات موقعه، أدت النتيجة إلى برلمان منقسم إلى ثلاثة معسكرات رئيسية، مما جعل تمرير موازنة تتضمن تخفيضات كبيرة في الإنفاق أكثر صعوبة.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت الموازنة الفرنسية رهينة مفاوضات سياسية متكررة، وسقط رؤساء حكومات حاولوا فرض إجراءات لإعادة الانضباط إلى المالية العامة.

وتجاوز عجز الموازنة الفرنسية 5 في المائة من الناتج خلال السنوات الثلاث الماضية، بينما تشير تقديرات حديثة إلى أنه قد يصل إلى 6.8 في المائة بحلول 2030 إذا لم تُتخذ إجراءات أكثر صرامة.

الأسواق تبدأ بفرض الانضباط

بالنسبة إلى المستثمرين، لم تعد المشكلة مجرد أرقام في الموازنة، بل أصبحت مسألة قدرة الدولة على اتخاذ القرارات اللازمة لتغيير المسار.

وتقول الأسواق كلمتها من خلال أسعار السندات.

فمع ارتفاع العائد على السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات إلى مستويات تقترب من 5 في المائة، أصبحت فرنسا تدفع للاقتراض أكثر من دول كانت تعد في السابق من أكثر الحالات هشاشة في منطقة اليورو، مثل إيطاليا واليونان.

ويحذر المستثمرون من أن ارتفاع أسعار الفائدة جاء في أسوأ توقيت ممكن بالنسبة إلى فرنسا، إذ تضطر الحكومة إلى إعادة تمويل كميات ضخمة من الديون التي أُصدرت في عصر الفائدة المنخفضة.

ويشير مستشار المحافظ الاستثمارية في شركة «كارمييناك» كيفن ثوزيه إلى معادلة بسيطة لكنها شديدة القسوة: إذا تجاوز معدل الفائدة على الدين معدل نمو الاقتصاد، فإن الدين سيواصل الارتفاع ما لم تُجرَ تخفيضات كبيرة في الإنفاق، وفق ما ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال».

وهذا ما يطلق عليه الاقتصاديون «تأثير كرة الثلج»، حيث تؤدي زيادة الدين إلى ارتفاع مدفوعات الفائدة، التي ترفع بدورها العجز والدين، فتحتاج الحكومة إلى الاقتراض أكثر، وهكذا تتكرر الحلقة.

وتقدر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن دين فرنسا قد يصل إلى 200 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2050 إذا لم تُخفَّض النفقات.

وزير الاقتصاد والمالية والصناعة الفرنسي رولان ليسكور يلقي كلمة عقب الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء (أ.ف.ب)

أزمة مالية تتزامن مع أزمة اجتماعية

ولا تجري هذه التطورات في فراغ سياسي.

ففرنسا تدخل خريف 2026 على وقع إضرابات للقطاع العام، واحتجاجات طلابية، وإغلاق مدارس، وحواجز في الموانئ، واضطرابات مرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود.

ويخطط مدرسون وموظفون حكوميون لتنظيم احتجاجات ضد مقترحات تجميد الأجور، في الوقت الذي تكافح فيه الحكومة لتمرير الموازنة.

كما شهدت مئات المدارس اضطرابات وعمليات إغلاق، في حين أصبحت الاحتجاجات الطلابية واحدة من أكثر مظاهر الغضب وضوحاً، مع شكاوى من تراجع التمويل وتدهور المنشآت ونقص المدرسين.

وتتداخل هذه الأزمة الاجتماعية مع ارتفاع أسعار النفط والغاز الناجم عن الحرب مع إيران، وهو ما يعيد إلى الأذهان احتجاجات «السترات الصفراء» التي بدأت في 2018 بسبب ارتفاع أسعار الوقود قبل أن تتحول إلى حركة أوسع ضد السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة.

ويبدو ماكرون مدركاً لحساسية تكرار ذلك السيناريو. فقد ترأس الأسبوع الماضي اجتماعاً لقادة مجموعة السبع اتفق خلاله على الإفراج عن 100 مليون برميل من الديزل والنفط الخام من الاحتياطيات، في محاولة لتخفيف الضغوط على أسعار الوقود.

لكن أسعار الطاقة ليست سوى جزء من المشكلة.

ففرنسا تواجه في الوقت نفسه ارتفاعاً في تكاليف الرعاية الصحية والمعاشات مع تقدم السكان في العمر، إضافة إلى زيادة الإنفاق العسكري في ظل الحرب في أوكرانيا وتراجع الدور الأمني الأميركي في أوروبا.

موازنة تحت رحمة اليمين المتطرف

يحاول رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو تمرير موازنة تتضمن زيادات ضريبية وتجميداً لبعض برامج الإنفاق الاجتماعي، بينها مساعدات الإسكان والإعانات العائلية.

لكن نجاحه يعتمد بدرجة كبيرة على موقف حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان، الذي يملك 118 مقعداً من أصل 577 في الجمعية الوطنية، وهو أكبر حزب منفرد في البرلمان.

ويرى محللون أن لوبان قد تختار الامتناع عن التصويت بدلاً من إسقاط الموازنة، خصوصاً أنها قد تحتاج إلى تجنُّب تحمُّل مسؤولية أزمة مالية أكبر إذا فازت بالانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل (نيسان) المقبل.

وتترقب الأسواق خطاباً تلقيه لوبان حول برنامجها الاقتصادي، بحثاً عن مؤشرات على مدى تغير موقف حزبها من المالية العامة منذ حملتها الرئاسية السابقة في 2022.

وتواجه لوبان اختباراً دقيقاً: فهي بحاجة إلى طمأنة أسواق السندات إلى أن حكومتها المحتملة لن تزيد العجز، لكنها في الوقت نفسه تعتمد على خطاب سياسي ينتقد الاتحاد الأوروبي وسياساته المالية.

ولهذا يرى بعض المحللين أن الانتخابات الفرنسية المقبلة قد تكون لحظة مفصلية لا تقل أهمية عن الاستفتاء البريطاني على الخروج من الاتحاد الأوروبي في 2016، ليس فقط بسبب الاقتصاد، بل بسبب مستقبل علاقة فرنسا بالاتحاد الأوروبي.

الشرطة الفرنسية تعتقل متظاهراً أثناء قيام طلاب بتنظيم اعتصام أمام مدرسة سيزار باجيو الثانوية في مدينة ليل (أ.ف.ب)

هل تقترب فرنسا من أزمة ديون؟

رغم كل هذه الضغوط، لا يرى المستثمرون أن أزمة ديون على غرار اليونان أصبحت حتمية.

فمنطقة اليورو تمتلك اليوم أدوات مالية ونقدية أكثر تطوراً مما كانت عليه خلال أزمة الديون السيادية قبل أكثر من عقد، كما أن البنك المركزي الأوروبي يمثل شبكة أمان مهمة في حال تصاعُد اضطرابات الأسواق.

لكن المشكلة أن فرنسا ليست اليونان.

فحجم اقتصادها ودورها المركزي في الاتحاد الأوروبي يجعلان أي أزمة فرنسية أكبر بكثير من أن تكون مجرد مشكلة لدولة واحدة. ولذلك فإن اضطراب سوق السندات الفرنسية يمكن أن ينتقل بسرعة إلى أسواق أوروبية أخرى ويزيد تكلفة التمويل في منطقة اليورو بأكملها.

وفي الوقت نفسه، فإن استمرار الوضع الحالي يحمل تكلفة اقتصادية حتى من دون حدوث أزمة مالية شاملة، إذ ستتجه حصة متزايدة من موارد الدولة إلى خدمة الدين بدلاً من الاستثمار في البنية التحتية أو التعليم أو التحوُّل الصناعي أو الدفاع.

ويصف الاقتصادي الأميركي كينيث روغوف الوضع بأنه «قطار يتحرك ببطء نحو كارثة»، مشيراً إلى أن أسواق السندات بدأت تعكس عدم استدامة المسار المالي الفرنسي، وإن لم تصل بعد إلى مرحلة الذعر.

وهنا تكمن المعضلة الأساسية لفرنسا: الأسواق تطالب بخفض الإنفاق والعجز، بينما الناخبون يحتجون على تراجع الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة، والسياسيون يخشون دفع ثمن إجراءات التقشُّف قبل الانتخابات.

وبذلك لم تعد أزمة فرنسا مجرد مشكلة حسابية يمكن حلها بزيادة الضرائب أو خفض الإنفاق في موازنة واحدة، بل أصبحت اختباراً لقدرة الدولة على إعادة تعريف العلاقة بين الإنفاق العام والنمو، وبين دولة الرفاه والقدرة على تمويلها.

فبعد عقود من الاعتماد على الإنفاق العام لتخفيف الأزمات، تجد فرنسا نفسها أمام حقيقة أكثر صعوبة: المال الذي كان يبدو متاحاً بلا حدود عندما كانت الفائدة منخفضة لم يعد مجانياً، والأسواق بدأت تطالب بثمن سنوات الإنفاق المتراكم.


مقالات ذات صلة

السلطات الفرنسية تعمل لتجنب «سبت أسود» جديد... في مواجهة حراك لا تضعف ديناميته

أوروبا نونيز متحدثاً في الجمعية الوطنية حول الحراك الاجتماعي وتعامل القوى الأمنية مع المتظاهرين (أ.ف.ب) p-circle

السلطات الفرنسية تعمل لتجنب «سبت أسود» جديد... في مواجهة حراك لا تضعف ديناميته

السلطات الفرنسية تعمل لتجنب «سبت أسود» جديد... في مواجهة حراك لا تضعف ديناميته وتركز على احتواء الموقف عبر الإجراءات الأمنية المشددة

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا إطفائي يكافح ناراً أشعلها محتجون في مرسيليا (أ.ف.ب)

تحذيرات من انزلاق الوضع في فرنسا إلى مواجهات بين مجموعات أقصى اليمين وأقصى اليسار

ثمة في فرنسا مَن لا يتردد في التحذير من الحرب الأهلية؛ فالنائب اليميني والمرشح الرئاسي نيكولا دوبان إينيان طرح الصوت منذ 11 الشهر الحالي.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا مشغلو السوق يعملون في غرفة العمليات بمقر بورصة يورونكست بالحي المالي بباريس (إ.ب.أ) p-circle

ماكرون يحمّل اليسار المتطرف مسؤولية الاضطرابات بهدف «إسقاط الجمهورية»

قررت السلطات الفرنسية المحلية الخميس حظر مظاهرات جديدة أو فرض قيود عليها وأعلنت حركة «السترات الصفراء» عدم موافقتها على هذا القرار

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا جانب من المواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن في باريس يوم 6 أكتوبر (أ.ف.ب)

احتجاجات الطلاب تهز فرنسا قبل الرئاسيات

اتهم رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، الثلاثاء، اليسار الراديكالي بالسعي إلى إثارة الفوضى قبل الانتخابات الرئاسية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
خاص رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)

خاص فرنسا أمام ثلاثية صعبة: اقتصاد متعثر وديون وشارع غاضب

بين اقتصاد يكاد يتوقف عن النمو، ومالية عامة تستنزفها الديون، وشارع يستعيد لغة الاحتجاج، تجد فرنسا نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد.

ميشال أبونجم (باريس)

20 دقيقة هزّت عالم العملات المشفرة... وفتحت معركة المليارات

شعار منصة «باينانس» وشفرة برمجية للمخترقين (رويترز)
شعار منصة «باينانس» وشفرة برمجية للمخترقين (رويترز)
TT

20 دقيقة هزّت عالم العملات المشفرة... وفتحت معركة المليارات

شعار منصة «باينانس» وشفرة برمجية للمخترقين (رويترز)
شعار منصة «باينانس» وشفرة برمجية للمخترقين (رويترز)

في غضون نحو 20 دقيقة، اختفت أصول رقمية تتجاوز قيمتها 6.3 مليار دولار من محافظ مرتبطة بمنصة «باينانس»، أكبر بورصة للعملات المشفرة في العالم. إنها لم تكن مجرد عملية اختراق إلكتروني عابرة؛ بل واحدة من أضخم عمليات السرقة في تاريخ الأصول الرقمية، وكشفت ثغرات أمنية خطيرة في صناعة تسعى إلى ترسيخ حضورها داخل النظام المالي العالمي.

وتشير تقديرات شركات متخصصة في تحليل التعاملات عبر تقنية «البلوك تشين»، إلى أن الهجوم يقف وراءه قراصنة مرتبطون بكوريا الشمالية، فيما لا تزال التحقيقات جارية لتحديد الطريقة الدقيقة التي مكّنتهم من اختراق أنظمة المنصة والوصول إلى المحافظ الرقمية وتحويل الأموال.

تمثيل للعملات المشفرة في صورة توضيحية (رويترز)

اختراق بدأ من حاسوب مهندس

لم تتضح بعد جميع تفاصيل الهجوم، لكن التحقيق الأولي الذي أجرته «باينانس» أشار إلى احتمال تعرض حاسوب محمول تابع لأحد مهندسي الشركة للاختراق، قبل أن تكشف التحقيقات اللاحقة «نقاط اختراق إضافية».

وقال الرئيس المشارك للمنصة، ريتشارد تنغ، إن الهجوم كان معقداً ولم ينفذه شخص واحد، مشيراً إلى استخدام المهاجمين أساليب متطورة، من بينها آلية برمجية للتدمير الذاتي صعّبت مهمة تحديد مسار الاختراق وآثاره.

وبحسب شركة «تي آر إم لابس» المتخصصة في استخبارات «البلوك تشين»، جرى نقل نحو 6.36 مليار دولار من محافظ «باينانس» عبر عشر شبكات «بلوك تشين»، مع تنفيذ الجزء الأكبر من العملية خلال نحو 20 دقيقة.

وتشير هذه السرعة إلى أن المهاجمين لم يكتفوا بالوصول إلى الأنظمة؛ بل تمكنوا أيضاً من تنفيذ تحويلات واسعة قبل احتواء الاختراق، وهو ما يسلّط الضوء على أهمية أنظمة الرقابة والموافقات الأمنية التي تتحكم في حركة الأصول الرقمية.

أصابع الاتهام تشير إلى كوريا الشمالية

وجهت شركات تحليل العملات المشفرة، ومن بينها «تي آر إم لابس» و«تشين أناليسيس» و«إيليبتك»، أصابع الاتهام إلى مجموعة «تريدر ترايتور»، المعروفة أيضاً باسم «مجموعة لازاروس»، والمرتبطة بكوريا الشمالية.

وقالت «تي آر إم لابس» إنها توصلت إلى هذا التقييم بدرجة عالية من الثقة، مستندةً إلى أوجه تشابه بين الهجوم على «باينانس» وعمليات سابقة نُسبت إلى المجموعة نفسها.

وتُتهم كوريا الشمالية باستخدام عمليات القرصنة الإلكترونية وسرقة العملات المشفرة مصدراً للعملات الأجنبية، في ظل العقوبات الدولية المفروضة عليها. وكانت مجموعة «تريدر ترايتور» قد اتُّهمت بالوقوف وراء اختراق منصة «بايبت» في فبراير (شباط) 2025، الذي أسفر عن سرقة نحو 1.5 مليار دولار، في واحدة من كبرى عمليات السطو السابقة على قطاع العملات المشفرة.

وتقول شركات تحليل «البلوك تشين» إن جزءاً من الأموال المسروقة من «باينانس» يتداخل مع أموال مرتبطة باختراق حديث لمنصة «بيتغيت»، كانت قد نسبت الهجوم فيه إلى بيونغ يانغ.

وعندما سُئل الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن احتمال تورط قراصنة كوريين شماليين في الهجوم، قال للصحافيين في البيت الأبيض، إن السلطات الأميركية «تبحث في الأمر»، من دون تأكيد المسؤولية.

شاشة في بورصة «سي بي أو إي غلوبال ماركتس» تعرض أسعار عقود «البيتكوين» النقدية والمستقبلية - شيكاغو (أرشيفية - أ.ف.ب)

كيف تُسرق عملات لا يمكن تزوير سجلاتها؟

تكمن المفارقة في أن العملات المشفرة تقوم على تقنية «البلوك تشين»، وهي سجل رقمي موزع يوثق المعاملات ويجعل التلاعب بتاريخها بالغ الصعوبة، لكن ذلك لا يعني أن الأموال نفسها محصنة ضد السرقة.

فالعملات المشفرة لا تُخزّن فعلياً داخل المحافظ الرقمية، وإنما تسجل ملكيتها وحركتها على شبكة «البلوك تشين»، بينما تحتفظ المحافظ بالمفاتيح الخاصة، وهي رموز رقمية طويلة تتيح لصاحبها التصرف في الأصول ونقلها.

ومن يحصل على هذه المفاتيح يستطيع تحويل الأموال من دون الحاجة إلى اختراق سجل المعاملات أو تزويره. ولذلك يركز القراصنة على الوصول إلى المفاتيح الخاصة أو الأنظمة التي تمنح صلاحية تنفيذ التحويلات.

وتتنوع أساليب الهجوم بين استغلال الثغرات البرمجية، واستخدام البرمجيات الخبيثة، وخداع الموظفين عبر رسائل التصيد الإلكتروني أو أساليب الهندسة الاجتماعية، التي تعتمد على التلاعب بالأشخاص للحصول على بيانات الدخول أو صلاحيات الوصول.

وحتى المحافظ المادية غير المتصلة بالإنترنت ليست بمنأى عن المخاطر؛ إذ سبق أن تعرضت أصول بعض مستخدمي شركة «ليدجر» الفرنسية لسرقة عبر برمجيات خبيثة أُدرجت في أجهزة بيعت من خلال أحد الموزعين.

وفي حالة «باينانس»، أكد تنغ أن محفظة ساخنة تابعة للمنصة؛ أي محفظة متصلة بالإنترنت لتسهيل عمليات السحب والتحويل، تأثرت بالهجوم. وأوضح أن غالبية أصول المستخدمين محفوظة في محافظ باردة غير متصلة بالإنترنت، ولا تُنقل إلى المحافظ الساخنة إلا عند الحاجة إلى تنفيذ عمليات السحب.

3 مليارات دولار جُمّدت

قالت «باينانس» إنها خصصت أكثر من 6.34 مليار دولار من أموال الشركة لتغطية الأصول المسروقة، مؤكدة أنها بدأت العمل على استعادة الأصول لمصلحة المستخدمين.

وأوضحت أنها تمكنت، بالتعاون مع شركائها من شركات البنية التحتية ومصدري العملات الرقمية، من تجميد نحو 3 مليارات دولار من الأصول المتأثرة بالاختراق؛ أي ما يقارب نصف المبلغ.

وأعلنت شركة «تيذر»، المصدرة للعملة المستقرة «يو إس دي تي»، تجميد نحو 1.57 مليار دولار مرتبطة بالهجوم، فيما قالت شركة «سيركل» إنها جمدت 800 مليون دولار.

لكن تجميد الأموال لا يعني استعادتها فعلياً، كما أن جزءاً من الأصول التي لم يشملها التجميد بدأ بالفعل يتحرك عبر معاملات وتحويلات رقمية، وفقاً لمحللين.

وتكمن الصعوبة في أن القراصنة يستطيعون اللجوء إلى ما يُعرف بـ«خلاطات العملات المشفرة»، وهي أدوات تجمع أصولاً رقمية من مصادر متعددة ثم تعيد توزيعها، بهدف إخفاء مسارات التحويل وتعقيد تحديد مصدر الأموال.

كما يمكنهم تحويل الأصول المسروقة أو استخدامها في معاملات مع أطراف أخرى، بما يزيد صعوبة تعقبها واستعادتها.

وفي هذا السياق، يرى ستيفان إفره، المحلل في شركة «كوينهاوس»، أن القراصنة قد يلجأون إلى دفع العملات الرقمية المسروقة لشركاء في روسيا أو الصين، على أن يتولوا بدورهم إخفاء مصدرها غير المشروع.

مستثمر في العملات المشفرة يتابع أحدث أسعار «البيتكوين» عبر هاتفه الذكي - هانوي (أ.ف.ب)

المنصات المنافسة تتحرك لتعزيز دفاعاتها

لم تتوقف تداعيات الاختراق عند «باينانس»؛ إذ سارعت منصات منافسة إلى مراجعة أنظمتها الأمنية واتخاذ إجراءات احترازية، في وقت تتزايد فيه الضغوط على قطاع العملات المشفرة لإثبات قدرته على حماية أموال المستخدمين، مع اتساع اندماجه في النظام المالي التقليدي.

وقالت منصة «كوينبيس» إنها أجرت تعديلات على الأنظمة المستخدمة في تخزين مفاتيح العملات المشفرة غير المتصلة بالإنترنت، مؤكدة أن الخطوة جاءت من باب الاحتياط. كما أعلنت منصة «كراكن» أنها تراقب الحوادث الأمنية في القطاع لاستخلاص الدروس وتطبيقها على أنظمتها الدفاعية.

ودعا مسؤولون في القطاع إلى تعزيز تبادل المعلومات بين المنصات، وتطوير آليات مشتركة للكشف المبكر عن الاختراقات والاستجابة السريعة لها.

وقال ستار شو، الرئيس التنفيذي لمنصة «أو كي إكس»، إن القطاع يحتاج إلى نظام إنذار فوري يتيح للشركات تبادل المعلومات بمجرد وقوع الاختراق، وتنسيق الاستجابة، والتعاون في تجميد الأموال المشبوهة.

من جهته، قال كريس بيركنز، رئيس قطاع العملات المشفرة في شركة «فرنكلين تمبلتون»، إن تعزيز الأمن بات ضرورة ملحة حتى يتمكن القطاع من تحقيق إمكاناته الكاملة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعمل فيه إدارة ترمب على توسيع حضور الأصول الرقمية داخل النظام المالي الأميركي، وهو ما يرفع أهمية حماية المنصات والبنية التحتية التي تتعامل معها، بالنظر إلى اتساع نطاق المخاطر المحتملة مع تزايد ارتباط العملات المشفرة بالمؤسسات المالية التقليدية.

هزة في السوق وأسئلة بشأن مستقبل الأمان

انعكست أنباء الاختراق سريعاً على أسواق العملات المشفرة؛ إذ تراجع سعر «بيتكوين» بأكثر من 4 في المائة، بينما هبطت «إيثريوم»، ثانية كبرى العملات الرقمية، بأكثر من 5 في المائة، قبل أن تستعيد العملتان جزءاً من خسائرهما خلال تداولات الجمعة.

ورغم حجم العملية، استبعد مسؤولون في القطاع أن تتسبب الواقعة في خسائر واسعة النطاق لبقية المنصات، معربين عن ثقتهم في قدرة «باينانس» على تغطية الأصول المتضررة.

لكن الحادثة أعادت طرح سؤال جوهري بشأن مدى قدرة صناعة العملات المشفرة على مواكبة المخاطر الأمنية المتصاعدة، خصوصاً مع تطور أساليب القرصنة والاستعانة بالذكاء الاصطناعي في تنفيذ الهجمات.

وقال آندي وورد، نائب الرئيس الأول في شركة «أبسولوت سيكيوريتي»، إن الهجمات الإلكترونية بهذا المستوى باتت مسألة توقيت أكثر منها احتمالاً بعيداً، محذراً من أن تطور التهديدات واتساع نطاقها قد يقودان إلى عمليات اختراق أكبر وخسائر مالية أشد.

أما بالنسبة إلى «باينانس»، التي تقول إن قاعدة مستخدميها تبلغ 335 مليوناً، فإن التحدي لا يقتصر على تغطية الخسائر المالية، بل يمتد إلى استعادة ثقة المستخدمين، وإثبات أن أكبر منصة لتداول العملات المشفرة قادرة على حماية أصولهم في مواجهة هجمات بهذا الحجم.

حقائق

اختراق «باينانس» بالأرقام

  • ​ 6.36 مليار دولار: قيمة الأصول التي استولى عليها القراصنة.
  • 20 دقيقة: المدة التي نُقل خلالها الجزء الأكبر من الأموال من محافظ المنصة.
  • 10 شبكات «بلوك تشين»: امتدت إليها عمليات تحويل الأصول المسروقة.
  • نحو 3 مليارات دولار: قيمة الأصول التي جُمّدت بمساعدة شركاء في قطاع العملات المشفرة.
  • 6.34 مليار دولار: حجم الأموال التي خصصتها «باينانس» لتغطية الأصول المسروقة وتعويض المستخدمين.
  • 5 مليارات دولار: قيمة الأصول المتأثرة التي قالت الشركة إنها تحتفظ بها.


51 صندوقاً سيادياً عالمياً تتجه إلى ميامي على وقع رهانات استثمارية بـ6 تريليونات دولار

مدينة ميامي (رويترز)
مدينة ميامي (رويترز)
TT

51 صندوقاً سيادياً عالمياً تتجه إلى ميامي على وقع رهانات استثمارية بـ6 تريليونات دولار

مدينة ميامي (رويترز)
مدينة ميامي (رويترز)

تتجه أنظار كبار المستثمرين السياديين والمؤسسات المالية العالمية إلى مدينة ميامي الأميركية في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، حيث يستضيف معهد صناديق الثروة السيادية (SWFI) أسبوع الاستثمار لمجموعة العشرين، والقمة الافتتاحية للمستثمرين المؤسسيين (I20)، بالتزامن مع قمة قادة مجموعة العشرين، في مسعى لاستقطاب مزيد من رؤوس الأموال طويلة الأجل إلى الولايات المتحدة.

وأعلن المعهد دعوة 51 صندوقاً سيادياً وشركة قابضة حكومية ومؤسسة استثمار عامة من مختلف أنحاء العالم للمشاركة في الفعاليات التي تقام بين 11 و15 ديسمبر (كانون الأول) 2026، في منتجع «ترمب ناشيونال دورال» بميامي. وتدير المؤسسات المدعوة أصولاً تقارب 10 تريليونات دولار، فيما تتجاوز قيمة أصولها القائمة في الولايات المتحدة 3 تريليونات دولار، وفق تقديرات المعهد.

وتضم قائمة المؤسسات المدعوة صندوق الاستثمارات العامة السعودي، وجهاز أبوظبي للاستثمار، وشركة «مبادلة» للاستثمار، وجهاز قطر للاستثمار، إلى جانب مؤسسة الاستثمار الصينية، وصندوق التقاعد الحكومي النرويجي، وشركة «تمـاسيك» السنغافورية، وهيئة الاستثمار الكويتية، وغيرها من المؤسسات الكبرى.

وتأتي الدعوات في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تعزيز تدفقات الاستثمار الأجنبي طويل الأجل، إذ تشير تقديرات المعهد إلى أن دولاً خليجية تعهدت بضخ استثمارات إضافية في السوق الأميركية بقيمة 3 تريليونات دولار خلال السنوات العشر المقبلة. وباحتساب الأصول الموجودة بالفعل، والتعهدات المستقبلية، يقدّر المعهد حجم العلاقة الاستثمارية بين هذه المؤسسات والاقتصاد الأميركي بنحو 6 تريليونات دولار.

وقال المعهد إن الصناديق المدعوة تمثل نحو ثلثي إجمالي الأصول التي تديرها صناديق الثروة السيادية في العالم، مشيراً إلى أن استثماراتها في الولايات المتحدة تشمل الأسهم، وسندات الخزانة، والعقارات، والبنية التحتية، والشركات الخاصة.

وتعكس توجهات هذه المؤسسات تحولاً في أولويات الاستثمار العالمي، إذ ذهب نحو ثلث استثماراتها خلال العام الماضي إلى مجالات الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية المرتبطة به، بما في ذلك مراكز البيانات، والقدرات الحاسوبية، وأشباه الموصلات، والروبوتات، والطاقة اللازمة لتشغيل هذه التقنيات.

ويستهدف أسبوع الاستثمار جمع الجهات الباحثة عن التمويل مع المؤسسات القادرة على توفيره، بمشاركة صناديق التقاعد، والأوقاف، والمكاتب العائلية، ومديري الأصول، إلى جانب حكام الولايات الأميركية، وهيئات التنمية الاقتصادية التي ستعرض مشروعات جاهزة للتنفيذ.

ومن المقرر أن يشارك في الفعاليات إريك ترمب، ودونالد ترمب الابن، وزاك ويتكوف، وأليكس ويتكوف، إلى جانب أكثر من عشرة رؤساء تنفيذيين لصناديق ثروة سيادية، وفق الإعلان.

وقال لاكشمي نارايانان رامانوجام، رئيس مجلس إدارة معهد صناديق الثروة السيادية، إن المؤسسات المدعوة تمتلك بالفعل أصولاً أميركية تتجاوز قيمتها 3 تريليونات دولار، فيما تعهدت الحكومات التي تقف وراءها باستثمارات إضافية بالقيمة نفسها، مضيفاً أن جزءاً متزايداً من رؤوس الأموال الجديدة يتجه إلى الذكاء الاصطناعي، والقدرات الحاسوبية، والطاقة اللازمة لها.

من جهته، قال مايكل مادويل، الرئيس التنفيذي للمعهد، إن الفعالية تهدف إلى جمع الجهات التي تخصص رؤوس الأموال مع الشركات والمشروعات التي تحتاج إليها، إلى جانب الحكومات، والهيئات القادرة على تهيئة الظروف اللازمة لتنفيذ الاستثمارات.

ويستضيف المعهد خلال الأسبوع أيضاً اجتماع المائدة المستديرة لصناديق الثروة السيادية التابعة لمجموعة العشرين في 12 ديسمبر، فيما تتضمن الفعاليات قائمة «آي 20 فيوتشر 100» التي تضم 100 شركة خاصة يرى المعهد أنها مرشحة لاستقطاب اهتمام المستثمرين السياديين خلال العقد المقبل.


«فيتش» تنقل فرنسا إلى النظرة «السلبية» وسط تصاعد مخاطر الديْن

متظاهرون يحتمون خلف لوح من الخشب الرقائقي يواجهون رجال الدرك الفرنسي خلال مظاهرة في باريس في 24 أكتوبر (رويترز)
متظاهرون يحتمون خلف لوح من الخشب الرقائقي يواجهون رجال الدرك الفرنسي خلال مظاهرة في باريس في 24 أكتوبر (رويترز)
TT

«فيتش» تنقل فرنسا إلى النظرة «السلبية» وسط تصاعد مخاطر الديْن

متظاهرون يحتمون خلف لوح من الخشب الرقائقي يواجهون رجال الدرك الفرنسي خلال مظاهرة في باريس في 24 أكتوبر (رويترز)
متظاهرون يحتمون خلف لوح من الخشب الرقائقي يواجهون رجال الدرك الفرنسي خلال مظاهرة في باريس في 24 أكتوبر (رويترز)

وضعت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المالية العامة الفرنسية تحت مزيد من الضغوط، بعدما خفضت النظرة المستقبلية لتصنيف البلاد من «مستقرة» إلى «سلبية»، في خطوة تعكس تنامي المخاوف بشأن مسار الدين العام وقدرة الحكومة على احتواء عجز الموازنة، وسط تباطؤ اقتصادي، وانقسامات سياسية واجتماعية تعرقل جهود ضبط الإنفاق.

وأبقت الوكالة الأميركية تصنيف فرنسا الائتماني عند «إيه +»، لكنها حذرت من احتمال خفضه مستقبلاً إذا لم تتحسن المؤشرات المالية. وتوقعت أن ترتفع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي من نحو 115.7 في المائة في عام 2025 إلى 124 في المائة بحلول عام 2028، مقارنة بتقديراتها السابقة في أغسطس (آب) الماضي، التي رجحت وصول النسبة إلى 122.7 في المائة.

وقالت «فيتش» إن ضعف النمو الاقتصادي، وتجدد التدهور في المالية العامة، وارتفاع عوائد السندات، زادت جميعها من صعوبة تحقيق ضبط مالي مستدام يوقف المسار التصاعدي للدين الفرنسي.

وتأتي مراجعة الوكالة في وقت تواجه فيه فرنسا ضغوطاً متزايدة في أسواق الدين، إذ ارتفعت تكاليف اقتراضها خلال الأسابيع الأخيرة بفعل مخاوف المستثمرين بشأن استدامة المالية العامة، إلى جانب حالة الانقسام السياسي والاجتماعي التي تشهدها البلاد.

وأنهى العائد على السندات الحكومية الفرنسية لأجل عشر سنوات تعاملات الجمعة عند 4.97 في المائة، مقارنة بـ4.91 في المائة في اليوم السابق، بعدما تجاوز مستوى 5 في المائة الأسبوع الماضي، في مؤشر على ارتفاع تكلفة التمويل الحكومي.

اقتصاد متعثر وموازنة معلقة

وزادت البيانات الاقتصادية الأخيرة من قتامة المشهد، بعدما أعلن المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية أن الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي انكمش بنسبة 0.1 في المائة خلال الربع الثالث من العام، خلافاً لتوقعات كانت تشير إلى نموه بنسبة 0.1 في المائة.

وكان الاقتصاد قد انكمش بنسبة 0.2 في المائة في الربع الأول، قبل أن يسجل استقراراً في الربع الثاني، ما يعني أن النمو لم يتحقق خلال الفصول الثلاثة الأولى من العام الحالي.

وقال وزير الاقتصاد رولان ليسكور إن الاقتصاد الفرنسي «متوقف»، معترفاً بأن النمو لم يتحقق خلال ثلاثة فصول متتالية.

وفي موازاة ذلك، تواجه الحكومة صعوبة في إقناع البرلمان بإقرار موازنة عام 2027 التي تستهدف خفض الإنفاق، وتقليص العجز. وترى «فيتش» أن الخطة الحكومية طموحة، لكنها تتوقع أن يبلغ العجز المالي 5.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2027، في ضوء توقعات النمو الأضعف، واحتمال اضطرار الحكومة إلى تقديم تنازلات خلال المفاوضات البرلمانية.

وكانت الحكومة قد أكدت أن هدفها خفض العجز إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، داعية إلى إقرار موازنة مسؤولة قبل نهاية العام. وقال ليسكور إن تقييم «فيتش» يؤكد الحاجة الملحة إلى إعادة التوازن إلى الحسابات العامة، مشدداً على تصميم الحكومة على مواصلة مسار ضبط المالية العامة.

وحذر الوزير، في مقابلة إذاعية، من أن عدم تحقيق التحول المالي الذي تستهدفه الموازنة سيقود البلاد إلى «حائط»، في إشارة إلى خطورة استمرار تدهور المؤشرات المالية.

الانقسام السياسي يعرقل خفض الدين

ولا تقتصر المخاوف على المؤشرات الاقتصادية، والمالية، إذ حذرت «فيتش» من أن استمرار الانقسام السياسي وصعوبة التوافق على استراتيجية مالية موثوقة سيعقدان مهمة الحكومة في خفض الدين.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة على جولتين في أبريل (نيسان) ومايو (أيار) من العام المقبل. وقالت الوكالة إن آفاق خفض الدين بعد الانتخابات لا تزال غير واضحة، في ظل تقدم مرشحي اليمين المتطرف واليسار المتطرف في استطلاعات الرأي، وما يرافق ذلك من صعوبة التوصل إلى توافق بشأن سياسة مالية طويلة الأمد.

وأضافت أن النقاشات السياسية التي تسبق الانتخابات لم تعزز ثقتها بصورة ملموسة في قدرة البلاد على تحقيق خفض مستدام للعجز، مشيرة إلى أن الاحتجاجات الواسعة على الخدمات العامة وارتفاع تكاليف المعيشة تزيد تعقيد الظروف الاجتماعية المحيطة بإجراءات التقشف المالي.

وشهدت فرنسا في الفترة الأخيرة احتجاجات بدأت بمشاركة طلاب المدارس الثانوية، ثم امتدت إلى شرائح أخرى من المجتمع اعتراضاً على غلاء المعيشة، وتخللتها أعمال عنف أثارت اهتماماً واسعاً. وتخشى السلطات من تحول هذه الاحتجاجات إلى حركة طويلة الأمد، على غرار احتجاجات «السترات الصفراء» التي شهدتها البلاد بين عامي 2018 و2019.

ورغم هذه التحديات، أشارت «فيتش» إلى أن التصنيف الائتماني لفرنسا لا يزال مدعوماً بحجم اقتصادها، وقوته، وتنوعه، ومتانة مؤسساتها، وانتمائها إلى منطقة اليورو، إلى جانب صلابة قطاعها المصرفي.

وجاء تقييم «فيتش» بعد أن قررت وكالة «موديز» الأسبوع الماضي عدم إجراء مراجعة جديدة لتصنيف فرنسا، مفضلة الانتظار حتى تتضح ملامح الوضع السياسي والمالي في البلاد.