السلطات الفرنسية تعمل لتجنب «سبت أسود» جديد... في مواجهة حراك لا تضعف ديناميته

باريس عاجزة عن الاستجابة وتركز على احتوائها عبر الإجراءات الأمنية المشددة

عمال يحصنون الواجهة الزجاجية لأحد المحلات التجارية في باريس تخوفاً من تكرار ما حصل يوم «السبت الأسود» (أ.ف.ب)
عمال يحصنون الواجهة الزجاجية لأحد المحلات التجارية في باريس تخوفاً من تكرار ما حصل يوم «السبت الأسود» (أ.ف.ب)
TT

السلطات الفرنسية تعمل لتجنب «سبت أسود» جديد... في مواجهة حراك لا تضعف ديناميته

عمال يحصنون الواجهة الزجاجية لأحد المحلات التجارية في باريس تخوفاً من تكرار ما حصل يوم «السبت الأسود» (أ.ف.ب)
عمال يحصنون الواجهة الزجاجية لأحد المحلات التجارية في باريس تخوفاً من تكرار ما حصل يوم «السبت الأسود» (أ.ف.ب)

تجهد السلطات الفرنسية لتجنب «سبت أسود» جديد شبيه بما عرفته البلاد في 17 الشهر الحالي، وذلك مع حلول موعد يوم التعبئة الجديد هذا السبت (31 أكتوبر/تشرين الأول) بدعوة من تنسيقية «السترات الصفراء»، وانضمام نقابات طلابية وغير طلابية إليها، ما يؤشر، مجدداً، إلى تداخل المطالب ووجود دينامية احتجاجية اجتماعية واقتصادية.

ماكرون دعا طلاب التعليم الثانوي لوضع حد لحراكهم والعودة بـ«هدوء» إلى صفوف الدراسة (أ.ف.ب)

ويأتي ذلك على خلفية احتدام السجال السياسي إن بشأن كيفية التعاطي مع المطالب والمظاهرات التي تبين أجندتها أنها متواصلة، أو بسبب التأزم السياسي الذي تعيشه فرنسا مع اقتراب استحقاق الانتخابات الرئاسية (بعد أقل من 200 يوم)، أو بسبب الأوضاع الاقتصادية والمالية المتدهورة التي تحرم الحكومة من إمكانية التجاوب مع بعض ما يريده الشارع.

ولخص رولان ليسكور، وزير الاقتصاد، في حديث صباحي لإذاعة «فرنس أنفو» العامة الوضع، بالاستناد إلى أرقام «المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادي»، بقوله إن الاقتصاد الفرنسي «أصبح، بحلول عام 2026، في حالة جمود بسبب مزيج غير مسبوق من الصدمات الخارجية والداخلية».

وأوضح ليسكور أن الاقتصاد انكمش بشكل غير متوقع في الفصل الثالث من العام الحالي، بينما التضخم الذي يلتهم مصادر العيش للشرائح الاجتماعية الأكثر هشاشة بلغت نسبته، في الشهر الحالي، 3.8 في المائة، وهي أعلى نسبة منذ عام 2023.

رجال من شرطة مكافحة الشغب يتعاملون مع أحد المتظاهرين المثبت أرضاً خلال المظاهرة التي حصلت في باريس يوم 24 أكتوبر (د.ب.أ)

ويترافق الانكماش مع ارتفاع المديونية الفرنسية (3600 مليار يورو)، وارتفاع فوائد الاستدانة الحكومية (5 في المائة)، وهي من بين النسب الأسوأ داخل الاتحاد الأوروبي. وما يكبل قدرة السلطات على التحرك في الميدان الاجتماعي أن فائدة الديون تثقل بكاهلها على الدولة، بحيث ستصل مع نهاية العام الحالي إلى 77.5 مليار يورو. وتواجه الحكومة صعوبات غير مسبوقة في تمرير ميزانيتها لعام 2027 في البرلمان بسبب الانقسامات السياسية. بيد أن الانكماش لا ينطبق على كبريات الشركات الفرنسية؛ وأولاها «توتال إنيرجيز»، التي حققت في الفصل الثالث من العام الحالي أرباحاً صافية تزيد على 7 مليارات يورو.

متظاهرون يسيرون وسط الغاز المسيل للدموع خلال احتجاج على غلاء المعيشة في ليل شمال فرنسا يوم 17 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

مطالب بالجملة

بناء على ما سبق، تبدو السلطات مكبلة في التعاطي مع مطالب النقابات، ومنها رفع الرواتب؛ وأولها رواتب الحد الأدنى وربطها بنسبة التضخم ومحاربة الغلاء وتحقيق العدالة الاجتماعية والضريبية وتحسين الخدمات العامة، كما في المستشفيات والنقل والخدمات الاجتماعية والقطاع التعليمي، وتوفير مزيد من الإمكانات المالية لتحقيق النقلة البيئوية، وإطلاق المفاوضات في قطاع الوظائف العامة فوراً بخصوص الرواتب.

متظاهر يرمي قنبلة مسيلة للدموع في اتجاه أفراد من الشرطة بمرسيليا (رويترز)

وتدعو حركة «السترات الصفراء» إلى خفض أسعار المشتقات النفطية والكهرباء والغاز التي ارتفعت في الأشهر الأخيرة بنسب عالية، بينما المطالب الأخرى تندمج فيما تدعو إليه النقابات العمالية. ورغم العروض التي قدمتها الحكومة لطلاب التعليم الثانوي والجامعي (مزيد من الأساتذة وبرنامج لتحسين الأوضاع المادية للثانويات والكليات وتعديل آلية اختيار الاختصاصات لما بعد التعليم الثانوي، وإيجاد 15 ألف مقعد جامعي في الاختصاصات المهنية والتقنية...)، فإن العديد من النقابات يعتبر أن المعروض «ليس سوى الفتات»، وبالتالي «غير كافٍ» لا يتوافق مع المطالب المرفوعة، وبالتالي فإن حراكهم «متواصل». وسبق للرئيس ماكرون أن دعا تلامذة التعليم الثانوي الى «العودة بهدوء» إلى مدارسهم، وهو ما دعا إليه أيضاً إدوار جيفراي، وزير التربية. وتجدر الإشارة إلى أن فرصة الخريف تنتهي الأحد، ويعود التلامذة، مبدئياً، إلى مدراسهم الاثنين.

الإجراءات الاستباقية

ولأن الأمور تسير على هذا المنوال، فإن الحكومة العاجزة تستبق الاستحقاق الراهن بالعمل على منع تفاقمه، وذلك من خلال اتخاذ التدابير الأمنية الأكثر صرامة والتي جربتها السبت الماضي، ونجحت في تجنيب البلاد كثيراً من أعمال العنف والاشتباكات. ولتبرير الإجراءات الأمنية المكثفة، نبه لوران نونيز، وزير الداخلية، في لقاء صحافي، إلى أن يوم السبت الذي يعدّ «الفصل الثالث» من حراك «السترات الصفراء» سيكون صعباً، ما يبرر تحشيد 70 ألف رجل شرطة ودرك وأمن، مضافاً إليهم بعض وحدات الجيش والوحدات الأمنية المتخصصة.

إطفائي يكافح ناراً أشعلها محتجون في مرسيليا (أ.ف.ب)

ونبه الوزير المذكور الذي قدم استقالته لرئيس الجمهورية بعد «السبت الأسود» لكن الأخير رفضها، إلى أن رد القوى الأمنية سيكون «حازماً للغاية»، مضيفاً أن «يوم 31 أكتوبر ينطوي على مخاطر بالغة على النظام العام». والسبب وجود «العديد من الدعوات إلى التجمعات الصادرة عن الحركة العمالية واليسار المتطرف، وبعض المواقع الإلكترونية المتطرفة التابعة لحركة (السترات الصفراء) التي تحث الناس على المشاركة في تجمعات بالشوارع العامة في عدد ​من المدن بأنحاء ‌فرنسا، مصحوبة برسائل متنوعة يمكن القول إنها ‌متطرفة للغاية».

رجل شرطة يحمل قاذفة لرصاص مطاطي دفاعي لتفريق المتظاهرين في مدينة نيس الساحلية يوم 24 أكتوبر (أ.ف.ب)

ولم يكتفِ وزير الداخلية بما قاله في مؤتمره الصحافي؛ بل عمد، الجمعة، إلى توجيه برقية إلى المحافظين في جميع أنحاء فرنسا، لتنبيههم إلى وجود مخاطر مرتفعة جداً لاندلاع أعمال عنف واضطرابات في المدن يوم السبت، بمناسبة الاحتفال بـ«عيد الهالوين».

ودعا إلى رفع جاهزية العناصر الأمنية إلى نسبة 75 في المائة، وتكثيف مراقبة التجمعات والمظاهرات غير المرخصة التي قد تتحول إلى مسيرات عشوائية وإجراء عمليات تفتيش ومراقبة استباقية في محطات القطارات ومحاور النقل، للكشف عن الأدوات التي قد تُستخدم في ارتكاب أعمال عنف؛ مثل الأقنعة وأغطية الوجه والألعاب النارية والمقذوفات النارية. كذلك حثهم على اللجوء إلى التدابير الأمنية الإدارية المتوافرة بين أيديهم؛ مثل حظر التجمعات أو المظاهرات، وفرض قيود على التنقل والتجمع في مراكز المدن، إضافة إلى فرض حظر التجول في محاولة للإكثار من العوائق التي من شأنها إضعاف ديناميات التظاهر ومنع الوصول إلى الأماكن «الحساسة» والشوارع التجارية لتجنب الحرائق وأعمال السلب والنهب.

قوات مكافحة الشغب خلال مواجهات بينها وبين المتظاهرين في مدينة نيس المتوسطية يوم 24 أكتوبر (أ.ف.ب)

حوار الطرشان بين الحكومة والنقابات

ثمة «معركة» تحصل دوماً بين النقابات ومديريات الشرطة لرسم مسار المظاهرات؛ ففي باريس قدمت «تنسيقية السترات الصفراء» ونقابة «الكونفدرالية العامة للعمل» منذ عدة أيام، مقترحاً لمظاهرة تنطلق من «ساحة الباستيل» وتجتاز «ساحة لا ريبوبليك» و«ساحة الأوبرا»، وصولاً إلى «ساحة الكونكورد»؛ أي إن المظاهرة تمر في قلب باريس وتنتهي قريباً من قصر الإليزيه ووزارة الداخلية، وفي أسفل «جادة الشانزليزيه».

وكان واضحاً، سلفاً، أن طلب التنسيقية المذكورة سيرفض. وكان غرضها دفع المديرية المعنية إلى تقديم عرض بديل، علماً بأن الرئيس ماكرون ووزير الداخلية شددا أكثر من مرة على منع التظاهر في وسط المدن وتوجيهها إلى خارجها، وهو ما حصل السبت الماضي. وكما كان منتظراً، جاء الرد بالرفض، واقترحت المديرية دمج المسارين المطلوبين، واقتراح بديل عنهما عند أطراف الشرقية للعاصمة، تحديداً ما بين المدخل المسمى «شارونتون» ومدخل «بانيوليه».

عمليات شغب في باريس يوم 17 أكتوبر ومحاولة لإقامة حاجز لمنع الشرطة من ملاحقة المتظاهرين (أ.ف.ب)

وبالطبع، رفضت النقابتان العرض، وتقدمتا باستدعاء أمام المحكمة الإدارية لاستبداله. لكنّه معروف سلفاً ما سيصدر عن هذه المحكمة والحجج التي ستقدمها (المحافظة على الأمن، ومنع الإضرار بالممتلكات العامة ...). والقرار النهائي يعود لهذه المحكمة التي ستضع المتظاهرين بين حلين أحلاهما مر: إما تجاهل المعروض عليهم، وبالتالي مواجهة القوى الأمنية، وإما الإذعان، ما سيعني أن المرتجى من المظاهرة لن يتحقق.

هكذا تسير الأمور في فرنسا، وما سيحصل السبت سيتكرر في 5 نوفمبر (تشرين الثاني)، حيث سيتطور الحراك من مظاهرات إلى إضراب عام استجابة لدعوة غالبية النقابات. وما بين حكومة محدودة الموارد ومطالبات نقابية وشعبية مكلفة، يبدو الحوار (الغائب) بين الجانبين أشبه بـ«حوار الطرشان».


مقالات ذات صلة

تحذيرات من انزلاق الوضع في فرنسا إلى مواجهات بين مجموعات أقصى اليمين وأقصى اليسار

أوروبا إطفائي يكافح ناراً أشعلها محتجون في مرسيليا (أ.ف.ب)

تحذيرات من انزلاق الوضع في فرنسا إلى مواجهات بين مجموعات أقصى اليمين وأقصى اليسار

ثمة في فرنسا مَن لا يتردد في التحذير من الحرب الأهلية؛ فالنائب اليميني والمرشح الرئاسي نيكولا دوبان إينيان طرح الصوت منذ 11 الشهر الحالي.

ميشال أبونجم (باريس)
الاقتصاد رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد (أ.ف.ب)

ماكرون يشيد بأداء لاغارد ويدعو لانتقال منظم في رئاسة «المركزي الأوروبي»

أشاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، بما وصفه بـ«الالتزام الأوروبي» و«العمل الحازم» لكريستين لاغارد على رأس البنك المركزي الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد شعار شركة «توتال إنرجيز» في محطة وقود بعد أعمال تخريب في بيكينكور شمال فرنسا (أ.ف.ب)

أرباح «توتال إنرجيز» تقفز 127 في المائة إلى 9.1 مليار دولار

سجَّلت شركة «توتال إنرجيز» الفرنسية ارتفاعاً حاداً في أرباحها خلال الرُّبع الثالث، متجاوزةً توقعات المحللين، بدعم من الأداء القياسي لقطاع التكرير والكيماويات.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد شعار شركة «إيرباص» في مصنع «إيرباص أتلانتيك» بمدينة بوغينيه بالقرب من مدينة نانت غرب فرنسا (أ.ف.ب)

«إيرباص» تتمسك بمستهدفاتها وتراهن على قفزة في التسليمات بنهاية العام

أبقت شركة «إيرباص» الأوروبية لصناعة الطائرات على توقعاتها المالية وخطط الإنتاج للعام الحالي، رغم تسجيل نتائج متباينة في الربع الثالث.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد رفع الناس لافتة كُتب عليها «العنصرية تقتل... تضامناً مع تراب» خلال مراسم تأبين لضحايا هجمات بلدة تراب في مرسيليا (أ.ف.ب)

ثقة الأسر الفرنسية تهبط إلى أدنى مستوى منذ يونيو 2013

تراجعت ثقة الأسر الفرنسية في أكتوبر (تشرين الأول) إلى أدنى مستوياتها منذ يونيو (حزيران) 2013، متأثرة بصورة خاصة بتدهور تقييم الأسر لأوضاعها المالية الشخصية.

«الشرق الأوسط» (باريس)

السلطات الفرنسية تعمل لتجنب «سبت أسود» جديد... في مواجهة حراك لا تضعف ديناميته

عمال يحصنون الواجهة الزجاجية لأحد المحلات التجارية في باريس تخوفاً من تكرار ما حصل يوم «السبت الأسود» (أ.ف.ب)
عمال يحصنون الواجهة الزجاجية لأحد المحلات التجارية في باريس تخوفاً من تكرار ما حصل يوم «السبت الأسود» (أ.ف.ب)
TT

السلطات الفرنسية تعمل لتجنب «سبت أسود» جديد... في مواجهة حراك لا تضعف ديناميته

عمال يحصنون الواجهة الزجاجية لأحد المحلات التجارية في باريس تخوفاً من تكرار ما حصل يوم «السبت الأسود» (أ.ف.ب)
عمال يحصنون الواجهة الزجاجية لأحد المحلات التجارية في باريس تخوفاً من تكرار ما حصل يوم «السبت الأسود» (أ.ف.ب)

تجهد السلطات الفرنسية لتجنب «سبت أسود» جديد شبيه بما عرفته البلاد في 17 الشهر الحالي، وذلك مع حلول موعد يوم التعبئة الجديد هذا السبت (31 أكتوبر/تشرين الأول) بدعوة من تنسيقية «السترات الصفراء»، وانضمام نقابات طلابية وغير طلابية إليها، ما يؤشر، مجدداً، إلى تداخل المطالب ووجود دينامية احتجاجية اجتماعية واقتصادية.

ماكرون دعا طلاب التعليم الثانوي لوضع حد لحراكهم والعودة بـ«هدوء» إلى صفوف الدراسة (أ.ف.ب)

ويأتي ذلك على خلفية احتدام السجال السياسي إن بشأن كيفية التعاطي مع المطالب والمظاهرات التي تبين أجندتها أنها متواصلة، أو بسبب التأزم السياسي الذي تعيشه فرنسا مع اقتراب استحقاق الانتخابات الرئاسية (بعد أقل من 200 يوم)، أو بسبب الأوضاع الاقتصادية والمالية المتدهورة التي تحرم الحكومة من إمكانية التجاوب مع بعض ما يريده الشارع.

ولخص رولان ليسكور، وزير الاقتصاد، في حديث صباحي لإذاعة «فرنس أنفو» العامة الوضع، بالاستناد إلى أرقام «المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادي»، بقوله إن الاقتصاد الفرنسي «أصبح، بحلول عام 2026، في حالة جمود بسبب مزيج غير مسبوق من الصدمات الخارجية والداخلية».

وأوضح ليسكور أن الاقتصاد انكمش بشكل غير متوقع في الفصل الثالث من العام الحالي، بينما التضخم الذي يلتهم مصادر العيش للشرائح الاجتماعية الأكثر هشاشة بلغت نسبته، في الشهر الحالي، 3.8 في المائة، وهي أعلى نسبة منذ عام 2023.

رجال من شرطة مكافحة الشغب يتعاملون مع أحد المتظاهرين المثبت أرضاً خلال المظاهرة التي حصلت في باريس يوم 24 أكتوبر (د.ب.أ)

ويترافق الانكماش مع ارتفاع المديونية الفرنسية (3600 مليار يورو)، وارتفاع فوائد الاستدانة الحكومية (5 في المائة)، وهي من بين النسب الأسوأ داخل الاتحاد الأوروبي. وما يكبل قدرة السلطات على التحرك في الميدان الاجتماعي أن فائدة الديون تثقل بكاهلها على الدولة، بحيث ستصل مع نهاية العام الحالي إلى 77.5 مليار يورو. وتواجه الحكومة صعوبات غير مسبوقة في تمرير ميزانيتها لعام 2027 في البرلمان بسبب الانقسامات السياسية. بيد أن الانكماش لا ينطبق على كبريات الشركات الفرنسية؛ وأولاها «توتال إنيرجيز»، التي حققت في الفصل الثالث من العام الحالي أرباحاً صافية تزيد على 7 مليارات يورو.

متظاهرون يسيرون وسط الغاز المسيل للدموع خلال احتجاج على غلاء المعيشة في ليل شمال فرنسا يوم 17 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

مطالب بالجملة

بناء على ما سبق، تبدو السلطات مكبلة في التعاطي مع مطالب النقابات، ومنها رفع الرواتب؛ وأولها رواتب الحد الأدنى وربطها بنسبة التضخم ومحاربة الغلاء وتحقيق العدالة الاجتماعية والضريبية وتحسين الخدمات العامة، كما في المستشفيات والنقل والخدمات الاجتماعية والقطاع التعليمي، وتوفير مزيد من الإمكانات المالية لتحقيق النقلة البيئوية، وإطلاق المفاوضات في قطاع الوظائف العامة فوراً بخصوص الرواتب.

متظاهر يرمي قنبلة مسيلة للدموع في اتجاه أفراد من الشرطة بمرسيليا (رويترز)

وتدعو حركة «السترات الصفراء» إلى خفض أسعار المشتقات النفطية والكهرباء والغاز التي ارتفعت في الأشهر الأخيرة بنسب عالية، بينما المطالب الأخرى تندمج فيما تدعو إليه النقابات العمالية. ورغم العروض التي قدمتها الحكومة لطلاب التعليم الثانوي والجامعي (مزيد من الأساتذة وبرنامج لتحسين الأوضاع المادية للثانويات والكليات وتعديل آلية اختيار الاختصاصات لما بعد التعليم الثانوي، وإيجاد 15 ألف مقعد جامعي في الاختصاصات المهنية والتقنية...)، فإن العديد من النقابات يعتبر أن المعروض «ليس سوى الفتات»، وبالتالي «غير كافٍ» لا يتوافق مع المطالب المرفوعة، وبالتالي فإن حراكهم «متواصل». وسبق للرئيس ماكرون أن دعا تلامذة التعليم الثانوي الى «العودة بهدوء» إلى مدارسهم، وهو ما دعا إليه أيضاً إدوار جيفراي، وزير التربية. وتجدر الإشارة إلى أن فرصة الخريف تنتهي الأحد، ويعود التلامذة، مبدئياً، إلى مدراسهم الاثنين.

الإجراءات الاستباقية

ولأن الأمور تسير على هذا المنوال، فإن الحكومة العاجزة تستبق الاستحقاق الراهن بالعمل على منع تفاقمه، وذلك من خلال اتخاذ التدابير الأمنية الأكثر صرامة والتي جربتها السبت الماضي، ونجحت في تجنيب البلاد كثيراً من أعمال العنف والاشتباكات. ولتبرير الإجراءات الأمنية المكثفة، نبه لوران نونيز، وزير الداخلية، في لقاء صحافي، إلى أن يوم السبت الذي يعدّ «الفصل الثالث» من حراك «السترات الصفراء» سيكون صعباً، ما يبرر تحشيد 70 ألف رجل شرطة ودرك وأمن، مضافاً إليهم بعض وحدات الجيش والوحدات الأمنية المتخصصة.

إطفائي يكافح ناراً أشعلها محتجون في مرسيليا (أ.ف.ب)

ونبه الوزير المذكور الذي قدم استقالته لرئيس الجمهورية بعد «السبت الأسود» لكن الأخير رفضها، إلى أن رد القوى الأمنية سيكون «حازماً للغاية»، مضيفاً أن «يوم 31 أكتوبر ينطوي على مخاطر بالغة على النظام العام». والسبب وجود «العديد من الدعوات إلى التجمعات الصادرة عن الحركة العمالية واليسار المتطرف، وبعض المواقع الإلكترونية المتطرفة التابعة لحركة (السترات الصفراء) التي تحث الناس على المشاركة في تجمعات بالشوارع العامة في عدد ​من المدن بأنحاء ‌فرنسا، مصحوبة برسائل متنوعة يمكن القول إنها ‌متطرفة للغاية».

رجل شرطة يحمل قاذفة لرصاص مطاطي دفاعي لتفريق المتظاهرين في مدينة نيس الساحلية يوم 24 أكتوبر (أ.ف.ب)

ولم يكتفِ وزير الداخلية بما قاله في مؤتمره الصحافي؛ بل عمد، الجمعة، إلى توجيه برقية إلى المحافظين في جميع أنحاء فرنسا، لتنبيههم إلى وجود مخاطر مرتفعة جداً لاندلاع أعمال عنف واضطرابات في المدن يوم السبت، بمناسبة الاحتفال بـ«عيد الهالوين».

ودعا إلى رفع جاهزية العناصر الأمنية إلى نسبة 75 في المائة، وتكثيف مراقبة التجمعات والمظاهرات غير المرخصة التي قد تتحول إلى مسيرات عشوائية وإجراء عمليات تفتيش ومراقبة استباقية في محطات القطارات ومحاور النقل، للكشف عن الأدوات التي قد تُستخدم في ارتكاب أعمال عنف؛ مثل الأقنعة وأغطية الوجه والألعاب النارية والمقذوفات النارية. كذلك حثهم على اللجوء إلى التدابير الأمنية الإدارية المتوافرة بين أيديهم؛ مثل حظر التجمعات أو المظاهرات، وفرض قيود على التنقل والتجمع في مراكز المدن، إضافة إلى فرض حظر التجول في محاولة للإكثار من العوائق التي من شأنها إضعاف ديناميات التظاهر ومنع الوصول إلى الأماكن «الحساسة» والشوارع التجارية لتجنب الحرائق وأعمال السلب والنهب.

قوات مكافحة الشغب خلال مواجهات بينها وبين المتظاهرين في مدينة نيس المتوسطية يوم 24 أكتوبر (أ.ف.ب)

حوار الطرشان بين الحكومة والنقابات

ثمة «معركة» تحصل دوماً بين النقابات ومديريات الشرطة لرسم مسار المظاهرات؛ ففي باريس قدمت «تنسيقية السترات الصفراء» ونقابة «الكونفدرالية العامة للعمل» منذ عدة أيام، مقترحاً لمظاهرة تنطلق من «ساحة الباستيل» وتجتاز «ساحة لا ريبوبليك» و«ساحة الأوبرا»، وصولاً إلى «ساحة الكونكورد»؛ أي إن المظاهرة تمر في قلب باريس وتنتهي قريباً من قصر الإليزيه ووزارة الداخلية، وفي أسفل «جادة الشانزليزيه».

وكان واضحاً، سلفاً، أن طلب التنسيقية المذكورة سيرفض. وكان غرضها دفع المديرية المعنية إلى تقديم عرض بديل، علماً بأن الرئيس ماكرون ووزير الداخلية شددا أكثر من مرة على منع التظاهر في وسط المدن وتوجيهها إلى خارجها، وهو ما حصل السبت الماضي. وكما كان منتظراً، جاء الرد بالرفض، واقترحت المديرية دمج المسارين المطلوبين، واقتراح بديل عنهما عند أطراف الشرقية للعاصمة، تحديداً ما بين المدخل المسمى «شارونتون» ومدخل «بانيوليه».

عمليات شغب في باريس يوم 17 أكتوبر ومحاولة لإقامة حاجز لمنع الشرطة من ملاحقة المتظاهرين (أ.ف.ب)

وبالطبع، رفضت النقابتان العرض، وتقدمتا باستدعاء أمام المحكمة الإدارية لاستبداله. لكنّه معروف سلفاً ما سيصدر عن هذه المحكمة والحجج التي ستقدمها (المحافظة على الأمن، ومنع الإضرار بالممتلكات العامة ...). والقرار النهائي يعود لهذه المحكمة التي ستضع المتظاهرين بين حلين أحلاهما مر: إما تجاهل المعروض عليهم، وبالتالي مواجهة القوى الأمنية، وإما الإذعان، ما سيعني أن المرتجى من المظاهرة لن يتحقق.

هكذا تسير الأمور في فرنسا، وما سيحصل السبت سيتكرر في 5 نوفمبر (تشرين الثاني)، حيث سيتطور الحراك من مظاهرات إلى إضراب عام استجابة لدعوة غالبية النقابات. وما بين حكومة محدودة الموارد ومطالبات نقابية وشعبية مكلفة، يبدو الحوار (الغائب) بين الجانبين أشبه بـ«حوار الطرشان».


بدء احتجاجات وإضرابات واسعة في إيطاليا ضد حكومة ميلوني

مؤدّون يستلقون أمام متظاهرين يحملون لافتة كُتب عليها «نحن ننتج الثروة وأنتم تسرقون مستقبلنا» خلال إضراب عام احتجاجاً على غلاء المعيشة وتدنّي الأجور والإنفاق العسكري في روما بإيطاليا يوم 30 أكتوبر 2026 (أ.ب)
مؤدّون يستلقون أمام متظاهرين يحملون لافتة كُتب عليها «نحن ننتج الثروة وأنتم تسرقون مستقبلنا» خلال إضراب عام احتجاجاً على غلاء المعيشة وتدنّي الأجور والإنفاق العسكري في روما بإيطاليا يوم 30 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

بدء احتجاجات وإضرابات واسعة في إيطاليا ضد حكومة ميلوني

مؤدّون يستلقون أمام متظاهرين يحملون لافتة كُتب عليها «نحن ننتج الثروة وأنتم تسرقون مستقبلنا» خلال إضراب عام احتجاجاً على غلاء المعيشة وتدنّي الأجور والإنفاق العسكري في روما بإيطاليا يوم 30 أكتوبر 2026 (أ.ب)
مؤدّون يستلقون أمام متظاهرين يحملون لافتة كُتب عليها «نحن ننتج الثروة وأنتم تسرقون مستقبلنا» خلال إضراب عام احتجاجاً على غلاء المعيشة وتدنّي الأجور والإنفاق العسكري في روما بإيطاليا يوم 30 أكتوبر 2026 (أ.ب)

بدأت في إيطاليا، اليوم الجمعة، احتجاجات على مستوى البلاد ضد الحكومة اليمينية برئاسة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، إذ من المتوقع تنظيم مظاهرات في نحو 50 مدينة في جميع أنحاء البلاد، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

ومن المتوقع أن ينضم طلاب المدارس والجامعات إلى العديد من المسيرات، في حين دعا اتحاد نقابات العمال المستقلة إلى إضرابات في عدة قطاعات، من بينها النقل العام المحلي والبعيد المدى وقطاع الرعاية الصحية.

طلاب يسيرون خلف لافتة كُتب عليها «لنستعد مستقبلنا» خلال إضراب عام احتجاجاً على غلاء المعيشة وتدنّي الأجور والإنفاق العسكري في ميلانو بإيطاليا يوم 30 أكتوبر 2026 (أ.ب)

وتم نشر قوات الأمن بأعداد كبيرة وسط مخاوف من وقوع أعمال عنف محتملة.

وتستهدف الاحتجاجات ائتلاف ميلوني، المكوّن من ثلاثة أحزاب من اليمين المتطرف والمحافظين الذي يتولى السلطة في إيطاليا منذ أربع سنوات، ويحمّله المتظاهرون المسؤولية عن ارتفاع معدلات التضخم وانخفاض الأجور. كما يطالب الطلاب بتوفير مزيد من التمويل للمدارس والجامعات.

متظاهرون يحملون لافتة كُتب عليها «المال للمدارس لا للحرب» خلال مظاهرة طلابية للمطالبة بزيادة تمويل التعليم ودعم السكن في ميلانو بشمال إيطاليا يوم 30 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

كانت أعمال شغب قد اندلعت في ميلانو يوم 18من الشهر الحالي بعد احتجاجات كانت سلمية في البداية ضد ارتفاع تكاليف المعيشة وخطط تشريعية حكومية مختلفة.


«تقرير»: أوكرانيا تعلق هجماتها على مصافي النفط الروسية بعد ضغوط من ترمب

منشأة لتخزين الوقود في مركز التصدير الروسي الرئيسي للنفط في ميناء نوفوروسيسك المطل على البحر الأسود (رويترز)
منشأة لتخزين الوقود في مركز التصدير الروسي الرئيسي للنفط في ميناء نوفوروسيسك المطل على البحر الأسود (رويترز)
TT

«تقرير»: أوكرانيا تعلق هجماتها على مصافي النفط الروسية بعد ضغوط من ترمب

منشأة لتخزين الوقود في مركز التصدير الروسي الرئيسي للنفط في ميناء نوفوروسيسك المطل على البحر الأسود (رويترز)
منشأة لتخزين الوقود في مركز التصدير الروسي الرئيسي للنفط في ميناء نوفوروسيسك المطل على البحر الأسود (رويترز)

أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال»، الخميس، نقلا ​عن مصادر مطلعة، بأن الجيش الأوكراني أوقف هجماته على مصافي النفط الروسية بعد ضغوط من الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وذكرت الصحيفة أن ‌الوحدات الأوكرانية ‌التي تنفذ ​غارات ‌بعيدة المدى ⁠تلقت ​تعليمات في ⁠منتصف أكتوبر (تشرين الأول) بأن الحملة ضد المصافي ستعلق فعليا بمجرد الانتهاء من المهام الجارية بالفعل.

وأضاف تقرير ⁠الصحيفة أن هذا ‌التعليق ‌غير الرسمي من ​المتوقع أن يستمر ‌لما بعد انتخابات ‌التجديد النصفي الأميركية، وربما يمتد إلى أواخر نوفمبر (تشرين الثاني). وفي الوقت نفسه، ‌صعدت روسيا من هجماتها على منشآت للطاقة والبنية ⁠التحتية ⁠المدنية في أوكرانيا.

وتأتي أنباء التعليق المؤقت للهجمات وسط جهود متجددة لإحياء محادثات السلام التي تدعمها الولايات المتحدة لإنهاء الصراع ​الأكثر دموية في ​أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.