تركّز الأفكار المتداولة في لبنان على اللحظة الراهنة والمُلحّة، أي على «الآن»، بطريقة لا يخالطها أدنى اكتراث بـ«الغد»، وبالأثر الذي لا بدّ أن تتركه معالجة «الآن» على تحدّياته.
ولأنّ فوريّة «الآن» تشبه الطارئ في المهمّة العسكريّة أكثر ممّا تشبه التفكير السياسيّ، تطغى المعالجة العسكريّة على المقاربات، فيبدو كلّ شيء محاصراً بسؤال: هل نتمسّك بسلاح «حزب الله»، أم ننزعه ونحصره؟
وقد يكون مفهوماً طغيان «الآن» تبعاً للموقع المفتاحيّ للسلاح في بتّ أمور حيويّة كثيرة في عدادها الانسحاب الإسرائيليّ. لكنّ ما يُظهر النقص في هذا الطغيان مدى الانقسام الذي يشقّ المجتمع اللبنانيّ وعمقه، لا حول السلاح وحده، بل حول كلّ ما يدبّ على الأرض. وهذا دون أن نتجاهل كون الخلافات الكبرى، خصوصاً الخلاف حول السلاح، استطالة لتنازع أهليّ مديد وجذريّ، قبل أن تكون ذريعة لاستدراج التدخّلات الخارجيّة.
فالظرف الراهن يتّصل بأمور الغد اتّصالاً يستحقّ انتباهاً لا يحظى به. ونزع السلاح، على أهميّته وإلحاحه، يؤثّر آليّاً على تعايش اللبنانيّين، ويطرح على المحكّ مسألة استمرارهم كجماعة وطنيّة واحدة، إلاّ أنّه يُواجَه باستسهال كلاميّ هو أيضاً حربيّ المصدر. هكذا يقال بإخضاع الدولة لحاملي السلاح، كما لو أنّهم مجرّد عصابة معزولة، في مقابل إخضاع حاملي السلاح لرافضيه كما لو أنّ شيئاً لم يحصل منذ 2023. وغالباً ما يتلازم المنطق هذا بوجهيه مع استبعاد أيّ توتّر أهليّ محتمل، فيتبجّح داعمو السلاح بقوّة يعجز عن مواجهتها «أولئك الجبناء»، ويتباهى معارضو السلاح بقوّة للدولة وحلفائها تجترح المعجزات. وإذ يردّ الأوّلون تردّد «حزب الله» في الحسم إلى «سماحة المقاومة» أو انشغالها بالإسرائيليّين، يردّ الآخرون تردّد السلطة وتعثّر الجيش في الحسم إلى صفات شخصيّة، وأحياناً بسيكولوجيّة، في رموز السلطة.
والحال أنّ النظريّتين المتصارعتين متفرّعتان عن جذر فكريّ واحد، إذ تفيد الأولى أنّ الصراع مع إسرائيل وأميركا هو الطريق إلى المستقبل، فيما ترى الثانية أنّ التكيّف مع إسرائيل وأميركا هو ذاك الطريق.
ولا شكّ بأنّ أحد أسانيد النظريّتين خواءُ الداخل راهناً، وهو ما يمثّله فقر الحياة السياسيّة والانهيار الاقتصاديّ والتردّي الثقافيّ، وتالياً جُدب هذا الداخل كمصدر لأوراق قوّة مفيدة للحرب، وفق النظريّة الأولى، أو مفيدة للسلم وفق الثانية. لكنّ ما لا شكّ فيه أنّ النظريّة الأولى هي التي يتعادل ازدهارها واهتراؤها، على ما يتكشّف منذ «حرب الإسناد»، بينما تبقى النظريّة الثانية، وهي أقلّ إضراراً وأكلافاً، عرجاء ومشرعة على الانتكاس. وكانت النظريّة المذكورة، نظريّة «كلّ السلطة للخارج، ليس الآن فحسب بل غداً أيضاً»، قد بلغت تتويجها في التجربة العراقيّة بعد الاحتلال الأميركيّ. يومذاك تحقّق إنجاز عظيم بإطاحة صدّام حسين، فما إن تُرك أمر الاستكمال للمجتمع المحلّيّ حتّى حلّ الخراب حرباً أهليّة ثمّ سلماً مسكوناً بحرب أهليّة. فحين تضاف حالة التقلّب والمزاجيّة التي تسم الوضع الدوليّ اليوم تتزايد أسباب القلق الناجم عن عطالة الوضع الداخليّ وتجاهل التفكير فيه.
والكلام هذا ليس دعوة إلى طيّ مسألة السلاح أو مساءلةً لحيويّة حصره في يد السلطة الشرعيّة، لكنّه تعبير عن مقاربة للأمور تربط بين حصره والأثر الذي سيخلّفه الحصر على النسيج الوطنيّ الهشّ وصورة السلم الأهليّ.
فمن جهة، لن تذعن لنزع السلاح بيئة متشبّثة به. وحتّى لو تمكّنت القوّة الشرعيّة وحلفاؤها من إحراز هذا الهدف فإنّ مستقبل العلاقة بين اللبنانيّين سيكون ملبّداً بالعداء والكراهية، ولن يستطيع أيٌّ كان أن يضمن ممارسة المتغلّبين سياسات عادلة وغير متعالية حيال المغلوبين تبدّد استنكافهم.
ومن جهة أخرى، فإنّ استعداد البيئة المناهضة للسلاح للإذعان له يغدو، بطبيعة الحال، أقلّ من السابق. وهي تدرك مُحقّةً أنّ احتفاظ الحزب بجزء معتبر من قوّته العسكريّة يعني معساً تامّاً لخصومه الذين يُشهّر بهم حاليّاً ويمارَس بحقّهم الاغتيال المعنويّ.
وفي الحالتين سنكون أمام دولة قهر وثأريّة، وأمام مجتمع مسموم لا يطيب الانتساب إليه. ومن يعرف شعبه ومجتمعه، دون تنميق وزخرفة، لا تطمئنه الخطب حول «أخوّة» اللبنانيّين وعدالة دولتهم وبيع الأوهام حول طيّ صفحة ملطّخة دُسّت في كتاب مجيد.
وقد يقال إنّ كلّ وضع كبير، افتتاحاً لحرب أو إنهاء لها، يستدعي نتائج اجتماعيّة وسياسيّة في داخل البلد المعنيّ. لكنّ بديهيّة هذا القول لا تلغي التأمّل في نتائجه حالةً حالة، وفي خصوصيّة كلّ واحدة منها. فالخاصّ في لبنان أنّ مباشرة حرب ما تفضي إلى انفجار داخليّ، وهو ما نراه اليوم واضحاً صريحاً، إلاّ أنّ ما يُخشى هو أن يؤدّي إغلاق الحرب إلى نتيجة مشابهة ما لم يجر تطويقه بمراجعة اجتماعنا الوطنيّ ومساءلة نظامه.
فلنناقش إذاً الوحدة اللبنانيّة فيما نحن نتحدّث عن السلاح الذي ينبغي حصره في يد الدولة، ولنتطرّقْ إلى شروط التعايش، أو اللاتعايش، بين اللبنانيّين واحتمالاتهما، خصوصاً إذا حُلّت مسألة سلاح «حزب الله» والاحتلال الإسرائيليّ الذي نجم عنه.
