تبيَّن أنَّ الذكاءَ الاصطناعي الصيني زهيدَ الثمن يمثل خطراً كبيراً على الاقتصاد الهش المضطرب لوادي السيليكون. مع ذلك تصبح حرب الأسعار نفسها مخاطرة لا تقل حجماً بالنسبة إلى قطاع الذكاء الاصطناعي الصيني.
بعد تحذير شركة «ديب سيك» للعملاء مؤخراً من توقع زيادة كبيرة في أسعار خدماتها، كشفت عن أسعار جديدة لأحدث نماذجها من «في 4- برو» و«في 4- فلاش». ويمثل الهيكل الجديد، الذي ينقسم على أساس فترات زيادة الطلب وارتفاع ثمن المعروض وتراجعه وانخفاض ثمنه، قفزة حادة حيث تضاعفت قيمة بعض المهام بعدة أمثال عن قيمتها في السابق.
هل يعني هذا الارتفاع أن حدة السباق الشرس نحو قاع الأسعار المنخفضة تخفّ وتتراجع؟ على الأرجح لا، حيث قضت شركات صينية أكثر من عام ونصف العام في إثبات قدرتها على صناعة نماذج تجريبية جديدة، لكنها تتضمن مخاطر فشل مرتفعة. الجزء الأصعب هو اكتشاف كيفية إقناع المؤسسات التجارية والعملاء بالدفع مقابل الحصول على تلك النماذج. يوجد حالياً نحو ألف نموذج لغوي كبير في البلاد، حسبما أشار روبرت لي من «بلومبرغ إنتيليجنس»، مع تنافس كثيرين على الرموز الرخيصة. ويجعل هذا تحقيق ميزة تنافسية مستدامة أمراً صعب المنال.
وتعدّ الزيادة، التي أقرّتها شركة «ديب سيك»، مؤشراً جيداً، لكن من غير المرجح أن تعكس مسار التوجه. حتى مع زيادة أسعارها الخاصة بواجهة برمجة التطبيقات، التي تتيح للمؤسسات التجارية الحصول على نماذج ذكاء اصطناعي من خلال برامجها، تظل رخيصة نسبياً طبقاً للمعايير العالمية، وبالكاد يضمن ذلك مساراً مستداماً للأرباح. كذلك تشير عملية إعادة طرح أسعار أعلى لأوقات الذروة وزيادة الطلب إلى احتمال سعي المعمل، الذي يوجد مقره في مدينة هانغتشو، وراء إدارة القدرة الحاسوبية خلال فترات الطلب المتزايد.
لذا إذا كانتِ الشركات تجد صعوبةً في رفع الأسعار دون خسارة المستخدمين، فماذا تفعل؟ ما يزيد من صعوبة هذه المعادلة هو أنَّ تلك النماذج المفتوحة تفضح العمل الداخلي مجاناً. ويحظى هذا النهج بمباركة وقبول الحكومة، مما يعني أنه سيكون من الصعب السير عكس ذلك التوجه، حتى إذا كان ذلك أفضل في مجال الأعمال. وهو يجبر الشركات حالياً على الإبداع والابتكار.
جذبت شركة «مونشوت»، ومقرّها بكين، الانتباه بإصدار نموذج «كيمي كيه 3» الهائل خلال الشهر الماضي. وفقاً للمعايير الصينية، كان دخول واجهة برمجة التطبيقات على النموذج المفتوح مرتفعَ الثمن بقدر أكبر من المعتاد بالفعل، حيث يبلغ 3 دولارات لكل مليون رمز مدخل، و15 دولاراً لكل مليون رمز مخرج. مع ذلك كان هناك أمرٌ مخفيٌّ في شروط الاستخدام، حيث تعرض الشركات «كيمي كيه 3» كخدمة، وتجني أكثر من 20 مليون دولار خلال 12 شهراً من خلال عقد تجاري مع «مونشوت». التفاصيل الخاصة بشكل مشاركة العائدات المذكورة غير معلنة، مع ذلك يُقال إن «علي بابا غروب هولدينغ ليمتيد» تنظر في اتفاق مماثل يتعلق بنموذجها «كوين 3.8 ماكس»، حسبما ذكرت وكالة «رويترز» الأسبوع الماضي، نقلاً عن مصادر مطلّعة على خطط الشركة.
إنها محاولة مبتكرة للاحتفاظ بجزء من القيمة التي يقدمها النموذج، مع إتاحة التكنولوجيا التي يتضمنها، وكشف التحديات المتعلقة باكتشاف كيفية توفير مصدر دخل نقدي دون فرض مزيد من المال مقابل الحصول على النموذج. مع ذلك ربما يكون نجاح مشاركة العائدات أصعب من زيادة الأسعار بشكل مباشر. ويكمن الخطر في مغادرة المطوّرين، خصوصاً إذا كانت الشركات لا تستطيع احتجازَهم في بيئتها بدرجة كافية تجعل الانتقال صعباً. بعبارة أخرى، يمكن القول إنَّ حرب الأسعار ليست على وشك الانتهاء، بل تزداد تعقيداً.
كل ذلك يثير سؤالاً جوهرياً هو: ما الأمر ذو القيمة هنا؟ هل هي نماذج الذكاء الاصطناعي المتضمنة، أم كل ما يحيط بها وما يُبنى عليها؟ إذا استمر انتشار الأنظمة القوية، وبات من الممكن أن تصبح الرموز قابلة للتبادل، فإنه يمكن أن يصبح الذكاء وفيراً قبل أن تدرك الشركات التي تبيعه كيفية تحقيق أرباح.
في ذلك السيناريو، سوف تتحول القيمة نحو موضع آخر، أي نحو الرقائق والمكونات المادية، ومقدمة الحوسبة السحابية، وعلاقات العملاء والتطبيقات التي تقيد المستخدمين في مسارات عمل محددة. بالنسبة إلى مصنّعي النماذج، الذين ينفقون مبالغ هائلة لبناء أنظمة أكبر، سوف يكشف ذلك عن خطر أكبر كثيراً من المنافسة السعرية.
على الجانب الآخر، تصبح حرب الأسعار عالمية. وقد خفضت شركة «أوبن إيه آي» أسعار بعض منتجاتها من مجموعة «جي بي تي 5.6» بنسبة تصل إلى نحو 80 في المائة الشهر الماضي، وخلال الأسبوع نفسه أتاحت شركة «مونشوت» الحصول على واجهة برمجة التطبيقات الخاصة بـ«كيمي كيه 3». ودفع ارتفاع أسعار النماذج الصينية زهيدة الثمن الشركات العملاقة في مجال التكنولوجيا، بما فيها «إنفيديا كورب» و«ميتا بلاتفورمز إنكوربوريشين»، نحو الاستثمار بقوة في البدائل الأرخص المفتوحة الأميركية، مما أعاد الضغط على الصين للتنافس على الأسعار المنخفضة.
ربما تفترض الشركات أن إنفاق مزيد من المال من أجل تدشين قدرات أفضل سوف يتيح لها فرض سعر مرتفع، لكن ربما يتعلم المستخدمون درساً مغايراً. يصبح كل جيل أفضل، ويقل سعر الأجيال السابقة، لكن لا يحتاج العملاء من المؤسسات الكبرى بالضرورة إلى نموذج قوي لأداء مهمة روتينية، مثلما لا يحتاج كل من يذهب إلى عمله إلى سيارة سباق «فورمولا 1».
لذا، إلى أين تذهب الأرباح الاقتصادية إذن؟ تشير التقديرات إلى أن ما يتراوح بين ثلث ونصف استخدام الرموز، وهو ما تدفع الشركات مقابله بالفعل، مرتبط بتطوير البرمجيات.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»
