حازم صاغية
مثقف وكاتب لبناني؛ بدأ الكتابة الصحافية عام 1974 في جريدة «السفير»، ثم، منذ 1989، في جريدة «الحياة»، ومنذ أواسط 2019 يكتب في «الشرق الأوسط». في هذه الغضون كتب لبعض الصحف والمواقع الإلكترونية، كما أصدر عدداً من الكتب التي تدور حول السياسة والثقافة السياسية في لبنان والمشرق العربي.
TT

الاستثناء والاختلاف عن الممانعة هما الوطنيّة اللبنانيّة

استمع إلى المقالة

في تشهيرهم بمعارضي «حزب الله» يردّ الممانعون اللبنانيّون مواقف المعارضين إلى أصول مزعومة. فـ«الخيانة» و«الانعزاليّة»، بالتالي، ليستا من بنات اليوم، بل ترتكزان إلى قوى لم تتوقّف عن ممارسة «الخيانة» و«الانعزاليّة».

وكان الأشدّ تنغيصاً في معارضي الممانعة، بحسب أجداد الممانعة وأحفادها، أنّهم لا يلتزمون روايتها عن العالم وعن النفس. فهم لا يخوضون معارك الممانعين وحروبهم جيلاً عن جيل، والتي تُتوّجها الكوارث، ولا يتبنّون عقائدهم وشعاراتهم التي اتّضح مبكراً أنّ الصدأ يتهدّدها. وليس في التاريخ الحديث، أقلّه منذ مطالع القرن العشرين، ما وجدوه مشجّعاً على الاندماج في مشاريعهم البائسة، لا سيّما أنّ التشهير وإنكار الخصوصيّات كانا ذبحاً رمزيّاً يعدهم بذبح فعليّ قادم.

وأجداد الممانعين، كما أحفادهم الحاليّون، تجاهلوا حقيقة أن الإلحاح على الخروج عن «الإجماعات الثوريّة» يرتكز إلى عقلانيّة خاصّة به تبرّر له استثنائيّته. ذاك أنّ الأمر لا يعدو كونه جوهراً رديئاً مستحيل العلاج.

والاستثناء ليس اختراعاً حديثاً، بل هو حاضر في إدراك صانعي السياسات منذ متصرفيّة جبل لبنان في ستينات القرن التاسع عشر. فالمتصرّفيّة تلك كانت إقليماً عثمانيّاً يتمتّع بحكم ذاتيّ، مع إدارة محلّيّة وقيود على تدخّل السلطة المركزيّة.

صحيح أنّ جبل لبنان لم يتفرّد، في العهد العثمانيّ، بهذه المعاملة، إذ أحرزت جزيرة كريت وشرق الروملّي مثلاً معاملة مشابهة. إلاّ أنّ مكوّنات النظام الذي قام في الجبل، واستمرّ 57 عاماً، كانت الأشدّ نضجاً واكتمالاً. فالحاكم مسيحيّ عثمانيّ، توافقُ القوى الأوروبيّة على تعيينه، ويساعده مجلس محلّيّ يمثّل الطوائف الدينيّة، ومعه إدارة داخليّة واسعة الصلاحيّات، ولديه خصوصيّةٌ ماليّة وإداريّة، فيما يتمتّع الحكم بسلطة تلجم تدخّل الوالي العثمانيّ.

وبصيغة أخرى تكرّر الأمر مع ضمانات فيصل بن الحسين لجبل لبنان. فهو، وإن رفض فكرة «لبنان الكبير» واستقلاله أقرّ، عبر «المؤتمر السوريّ»، بأنّ استقلال سوريّة يحترم التطلّعات الوطنيّة اللبنانيّة، وأبدى استعداده للاعتراف بخصوصيّة واسعة داخل سوريّة العربيّة. ففي وسع جبل لبنان الحصول على حكم ذاتيّ بحدوده السابقة للحرب العالميّة، شرط ألاّ يخضع لحكم أجنبيّ. وذهب فيصل أبعد في مفاوضاته السرّيّة مع الفرنسيّين، فقبِل بانتداب فرنسيّ على الجبل مقابل حصوله على ضمان كامل لاستقلال سوريّة. وكان هذا جزءاً من اتّفاقه، مطالع 1920، مع جورج كليمنصو، رئيس حكومة فرنسا.

وعندما استقلّ لبنان في 1943، وبات الموضوع يتعدّى المتصرّفيّة إلى «لبنان الكبير»، كان «الميثاق الوطنيّ» الذي صاغه خطاب شهير لبشارة الخوري، رئيس الجمهوريّة، وبيان وزاريّ أشهرُ صدر عن حكومة رياض الصلح. والصيغة الجديدة، كما بات معروفاً، قوامها التخلّي عن طلب الحماية الفرنسيّة، مقابل التخلّي عن السعي إلى إلحاق لبنان بسوريّة. وهذه التسوية هي معنى البلد الناشئ كدولة مستقلّة ونهائية بحدوده القائمة.

وجاء الامتحان الأوّل، وربّما الأكبر، مع مداولات إنشاء جامعة الدول العربيّة. ففي المفاوضات التي مهّدت لصدور «بروتوكول الإسكندريّة»، عام 1944، تمسّك لبنان بموقف يجمع بين تأييد التضامن والتقارب العربيّين والإصرار على جامعة تكون جامعة دول مستقلّة ذات سيادة. وفي مواجهة مشاريع «سوريّة الكبرى» لعبد الله بن الحسين، و«الهلال الخصيب» لنوري السعيد، كان رياض الصلح رأس الحربة، فهدّد مرّةً بالانسحاب من مفاوضات تناقض «جوهر الاستقلال الذي قامت عليه الصيغة اللبنانيّة». وفعلاً لحظ بروتوكول الإسكندريّة هذه الحساسيّة فسجّل في بنده الرابع: «تؤيّد الدول العربيّة الممثّلة في اللجنة التحضيريّة مجتمعة احترامها لاستقلال لبنان وسيادته بحدوده الحاضرة».

واحتُرم التوكيد نفسه في مفاوضات القاهرة المفضية إلى ميثاق الجامعة العربيّة، فجاء الميثاق في مادّته الثامنة يُلزم كلّ دولة عضو باحترام نظام الحكم في الدول الأخرى بوصفه شأناً داخليّاً.

وهذا ما كان متاحاً قبل صعود جماعات «التحرّر الوطنيّ»: ضبّاط الانقلابات العسكريّة أوّلاً، ثمّ الميليشيات المسلّحة، مصحوباً بالرهان الدائم على تحوّلات التوازن السكّانيّ والتهديد بالقوّة التي يوفّر الجوار المأزوم أدواتها الناريّة.

فالنزاعات التي عرفها تاريخ البلد، منذ 1958، لم تكن إلاّ نتاج الإخلالات بتلك التفاهمات، والإخلالُ لم يكن إلاّ نتاج الأخذ بنظريّات صراعيّة ونضاليّة وعنيفة وُلد لبنان أصلاً بالانفصال عنها.

وهكذا كان الاستثناء، قياساً بسرديّات «التحرّر الوطنيّ» في سائر أنواعه، وسائر حروبه، أساساً للوطنيّة اللبنانيّة، لا خيانة لها.

والحال أنّه منذ نشأة «حزب الله» صار العنوانُ المهيمن على الخلاف طلب العيش في ظلّ دولة، لا في ظلّ ميليشيا، وفي وطن، لا في قضيّة، كائنة ما كانت القضيّة. ذاك أنّ العيش في قضيّة هو العيش في اللامكان واللامعيار، حيث الناهب ينهب والقاتل يقتل والمتدخّل الخارجيّ يتدخّل، فيما ترقى المساءلة إلى ضرب من الاستحالة. أمّا آخر الأمثلة فأتانا من رئيس البرلمان وكبير المفاوضين الإيرانيّين محمد باقر قاليباف، معلناً أنّه على تواصل بمقاتلي «حزب الله» على الخطوط الأماميّة في الجنوب اللبنانيّ، وهذا بعدما نوّرنا بإيضاح أنّه «منخرط في شؤون لبنان منذ 1985».