جمعة بوكليب
كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
TT

«العالم الجديد»... رهانُ غلاف أم قراءةٌ واقعية؟

استمع إلى المقالة

يوم الخميس الماضي، صدرت مجلة «ذا نيو وورلد» (العالم الجديد) البريطانية بغلاف أمامي يحمل صورة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرتدياً بِزّة عسكرية، ومسجّى في تابوت مغلّف بقماش قطيفة أحمر، وتحته عبارة كتبت ببنط كبير: «بعد بوتين».

الصورة ليست اختياراً بصرياً عابراً، بل استعادة متعمدة لمشهد تاريخي شهير مضى عليه أكثر من خمسة وسبعين عاماً: رحيل الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين، بالوضعية والتكوين ذاتهما. والإيحاء واضح لا يحتاج إلى تفسير: ستالين آخر يتهاوى، وكما تحوّلت روسيا بعد تخلّصها من قبضة ستالين، فستمر بتحوّل مماثل بعد بوتين.

قد تبدو صورة الغلاف للمراقب أقرب إلى لحظة تمنٍّ منها إلى تحلیل. غير أنها، في ضوء ما تكشف عنه معطيات جبهات القتال في أوكرانيا وانعكاساتها العسكرية والسياسية والاقتصادية، لا تخلو من قدر من الواقعية السياسية.

ما لا يختلف عليه عاقلان هو أن الرئيس الروسي يبدو، في الأشهر الأخيرة، في وضعية غير مريحة على الجبهتَين السياسية والعسكرية معاً، نتيجة تصاعد ضربات المسيّرات الأوكرانية العميقة التي تستهدف مصافي النفط داخل الأراضي الروسية، وهو ما يطرح تساؤلات جدّية حول السيناريوهات المحتملة في روسيا في مرحلة ما بعد الحرب.

المجلة المذكورة ظهرت قبل عشر سنوات، عقب استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مباشرة، وصدرت أسبوعياً في شكل جريدة تحت اسم «أوروبا الجديدة». وفي ذكراها العاشرة، غيّرت المجلة اسمها وشكلها لتصبح «العالم الجديد»، مع بقاء توجهها السياسي كما هو: فهي تمثل التيار المعتدل في الحركة اليسارية البريطانية، المؤيد لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي والداعي لعودتها إليه، والمساند بقوة لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

هل الوضع الروسي بهذه الدرجة من السوء؟ تشير تقارير إعلامية بريطانية إلى أن الأوضاع العسكرية على محاور القتال تثير قلق الكرملين؛ فالقوات الروسية تتقدم ببطء ملحوظ وبخسائر باهظة في الأرواح والعتاد. وقد ذكرت مجلة «الإيكونوميست» أن القوات الروسية تقدمت مسافة 13 كيلومتراً فقط خلال الشهر الماضي. كما أن الضربات الجوية المتكررة من سلاح الطيران المسيّر الأوكراني على مصافي النفط ومنشآت حيوية أخرى في مدن روسية متفرقة أربكت حسابات الكرملين، وهو ما اعترف به مؤخراً الرئيس بوتين نفسه صراحة. وقد ألحقت تلك الضربات الأوكرانية، وفق التقارير، أضراراً بخطوط الإمداد الروسية على مختلف محاور الجبهات، وانعكست اقتصادياً في تراجع النمو ولجوء موسكو إلى سياسات تقشفية ورفع ضريبة القيمة المضافة لسدّ فجوة الموازنة.

ورغم ذلك، فإن نهاية حقبة الرئيس بوتين الطويلة لا تبدو قريبة وفقاً لمعطيات الواقع. فإيرادات الغاز والنفط، وفق التقارير المتاحة، لا تزال تغطي نحو 22 في المائة من الموازنة الفيدرالية الروسية، وهي نسبة كافية لإبقاء آلة الحرب تعمل رغم الضغط. وميدانياً، لا يبدو أن القوات الروسية على وشك هزيمة عسكرية حاسمة. وتراكم مؤشرات الإنهاك السياسي والاقتصادي والعسكري، بشكل غير مسبوق منذ اندلاع الغزو الشامل، قد يقلق بوتين، لكنه لا يُفضي بالضرورة إلى استنتاج قرب نهايته.

وضع الرئيس بوتين، سياسياً وعسكرياً، لا يختلف كثيراً في جوهره عن وضع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي يواجه هو الآخر ضغوطاً وتحديات جسيمة. والفارق أن معنويات زيلينسكي ارتفعت مؤخراً بشكل ملحوظ نتيجة النتائج الميدانية التي يحقّقها سلاح الطيران المسيّر الأوكراني ضد الجيش الروسي والمنشآت والموانئ النفطية، بالإضافة إلى تحسّن ملحوظ في علاقته بالإدارة الأميركية.

غلاف مجلة «العالم الجديد» ليس مجرد استفزاز بصري عابر، بل هو، في رأيي، أقرب ما يكون إلى رسالة سياسية متفائلة، تعكس قناعة بأن نهاية حقبة الرئيس بوتين باتت أقرب مما يبدو. ولهذا السبب، فإن الوقائع على الأرض تفرض حذراً في القراءة: فما تراكم من إنهاك في موسكو حقيقي وملموس، وليس جديداً على دولة تخوض حرباً منذ خمس سنوات، لكنه، حتى الآن، لم يبلغ بعد حدّ الانهيار الذي تُوحي به صورة التابوت على غلاف المجلة.

قبضة الرئيس بوتين على روسيا لم تضعف بعد، ويُتوقع فوز حزبه في الانتخابات المقبلة في سبتمبر (أيلول)، وإن بنسبة أصوات أقل من السابق (50 في المائة) وفق التقارير. وبين تفاؤل المجلة والواقع الميداني المعقّد، تبقى المسافة قائمة.