يمضي الذكاء الاصطناعي في طريقه ليصبح أعظمَ آلة لتوليد المظالم شهدها العالم. فطالما أعقبت الثورات الاقتصادية ردود فعل غاضبة وعنيفة من جانب المتضررين. ففي بريطانيا، حطمت حركة «اللوديين» الأنوال الآلية التي سلبتهم وظائفهم في العقد الثاني من القرن التاسع عشر، وفي الولايات المتحدة، ثار الشعبويون ضد الشركات العملاقة التي أعادت هيكلة حياتهم وتنظيمها بعد الحرب الأهلية. وما لم يُتعامل مع هذا التحول بنحو سليم، فإنَّ تحول الذكاء الاصطناعي سينتج تمردات بحجم لم نشهده من قبل.
تثير الثورات الاقتصادية المظالم لثلاثة أسباب رئيسية: فهي تزعزع الطرق المعتادة والمستقرة لأداء الأمور، وتجعل عدداً صغيراً من الناس أثرياء للغاية، وتحرم العمال والمواطنين من الشعور بالقدرة على التوجيه والسيطرة على حياتهم. ويمكن للسخط أن يتأجج تحت الرماد دون أن يلاحظه أحد، ثم يشتعل فجأة في شكل حرَكات شعبوية، ونظريات مؤامرة جامحة، وهجمات عنيفة على الآلات أو البشر.
وقد حطم اللودهيون أكثر من 1000 آلة بين عامي 1811 و1817، ونشرت الحكومة البريطانية ما يصل إلى 14 ألف جندي لسحقهم. وهاجم الشعبويون الأميركيون أمثال «روكفلر» و«كارنيجي» وصوروهم بأنهم «بارونات اللصوص»، وانخرطوا في إضرابات عنيفة. ولم يشتكِ النساجون الإنجليز من أن مهاراتهم كانت تُبخس قيمتها فحسب، وإنما من أنهم يفقدون السيطرة على حياتهم الخاصة أيضاً. بينما اعتقد الأميركيون أنهم وقعوا في أيدي شركات غير إنسانية.
وكل هذه الأسباب المؤدية للغضب الجماهيري تتواجد بصورة مضخمة للغاية في ثورة الذكاء الاصطناعي؛ إذ إنها تحدث بسرعة أكبر بكثير من أي ثورة سبقتها. فقد انقضت 4 عقود بين أول عرض علمي وعلني للكهرباء قدمه «إديسون» في عام 1879 وحصول الكثير من الأميركيين العاديين على هذه التكنولوجيا السحرية الجديدة. وفي المقابل، وصل «شات جي بي تي» إلى 100 مليون مستخدم خلال عدة أشهر من إطلاقه عام 2022. وتراهن شركات التكنولوجيا الكبرى على تسارع وتيرة هذا التغير؛ إذ إن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي قد يصل إلى 2.5 تريليون دولار بحلول نهاية العام الحالي، حتى إن الشركات الغنية بالسيولة تقترض بكثافة. ويفترض المنتدى الاقتصادي العالمي أن الذكاء الاصطناعي قد يقضي على 92 مليون وظيفة بحلول عام 2030.
ورغم أن بارونات التكنولوجيا كانوا يقتربون بالفعل من مستويات ثروات بارونات اللصوص قبل اندلاع طفرة الذكاء الاصطناعي، فإن هذه الطفرة الجديدة تتيح فرصة لتحقيق ثروات أكبر بكثير - التريليونات بدلاً من المليارات. وهناك مخاطر بطبيعة الحال، حتى بالنسبة للأكثر ثراء؛ إذ عادة ما تعقب فترات الجنون الاستثماري حالاتُ انكسار وانهيار. غير أن ثورة السكك الحديدية في القرن التاسع عشر تشير إلى أن عبء الفشل يقع عموماً على عاتق المستثمرين العاديين، بينما ينتهي الأمر بالأسماء الكبيرة، مثل «ليلاند ستانفورد»، إلى حال أفضل من أي وقت مضى.
أما المشكلة الكبرى على الإطلاق فهي سلب القدرة على التوجيه والتحكم في المصير. فعندما تتقدم بطلب للحصول على مقعد جامعي أو وظيفة هذه الأيام، هناك احتمال كبير أن يُقال لك: «الخوارزمية ترفضك». فالبرمجيات تستولي على مختلف الوظائف، بدءاً من الأمور الروتينية (مثل تقييم أداء الموظفين) وصولاً إلى الأمور الخطيرة (مثل تحديد الأهداف في ميدان المعركة). وهل هناك ما هو أكثر إثارة للغضب من أن يُقال لك إن عملك ليس جيداً بما فيه الكفاية بوساطة برنامج دردشة آلي؟ أو أي شيء أكثر تجريداً من الإنسانية من أن يُقال لك إن طفلك كان مجرد ضحية أضرار جانبية في ضربة مُوجهة بالذكاء الاصطناعي؟ وفي الولايات المتحدة التي تُعد عادة صديقة للتكنولوجيا، وجد أحد استطلاعات الرأي أن 66 في المائة من الناخبين يخشون الذكاء الاصطناعي؛ بينما وجد استطلاع آخر أن 40 في المائة من الأميركيين يخشون فقدان وظائفهم لصالح التكنولوجيا، ارتفاعاً من 28 في المائة قبل عامين.
ويتفاعل الناس مع فقدان القدرة على التحكم في مصائرهم بطرق متباينة. فبعضهم ينكفئ على ذاته في حالة من القلق الوجودي: كيف يمكننا العيش في عالم تُتخذ فيه القرارات الحيوية بواسطة صيغ ومعادلات تعيش في السحابة؟
وستعيد مظالم ومخاوف الذكاء الاصطناعي تشكيل السياسة العالمية بدرجة أكبر من أي شيء آخر خلال السنوات القادمة، حتى أكثر من تدفق أفواج اللاجئين التي تغمر البلدان الغنية؛ إذ ستعيد هيكلة الحرَكات الشعبوية، وتحدث تصدعات وشقوقاً في الأحزاب الرئيسية، بل وربما تخلق نوعاً جديداً من الإرهاب. ويمكن بالفعل رؤية الكثير مما هو قادم في طور التخلق.
ويمكن للقلق الناجم عن الذكاء الاصطناعي أن يعيد رسم خطوط الصدع الشعبوية بين «هم» و«نحن»، بحيث يمثل لفظ «هم» فئة أصغر من أي وقت مضى من البشر. كما يملك هذا القلق القدرة على إرباك وإحراج بعض الشعبويين التقليديين. فماذا سيفعل نايجل فاراج في بريطانيا، ومن المفترض دفاعه عن قطاع الأعمال، عندما يحل الذكاء الاصطناعي محل الهجرة في قائمة مخاوف الناس العاديين؟
وتستعين شركات الذكاء الاصطناعي بنخبة من صفوة العقول للتعامل مع التعقيدات التكنولوجية. غير أن المجتمع بأسره، بمساعدة الأعضاء الأكثر مسؤولية في مجتمع التكنولوجيا، بحاجة إلى الاستعانة بأشخاص من تخصصات أخرى — كالتاريخ والفلسفة والعلوم السياسية — لمواجهة أسئلة أكثر عمقاً: كيف يمكننا استيعاب هذا التغيير دون إحداث الكثير من الاضطراب؟ وكيف يمكننا توزيع أرباح الابتكار حتى لا تنتهي مجرد إضافة لثروات فئة قليلة من الأثرياء؟ وكيف يمكننا منع الغضب الشعبوي من الغليان والتحول إلى فوران إرهابي؟ ودون إجابات شافية، قد تؤدي القفزة الصناعية الكبرى إلى عدم استقرار سياسي يتعذر تحمله.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»
