هال براندز
كاتب رأي من خدمة «بلومبيرغ» وأستاذ في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة «جونز هوبكنز» الأميركية
TT

تلاقي الصراعات والنزاعات وتداخلها حول العالم

استمع إلى المقالة

تضرب أوكرانيا سفينة إيرانية في بحر قزوين لتعطيل التجارة الاستراتيجية بين موسكو وطهران. وتتكاثر الشائعات بأن الصين تستعد لبيع أنظمة دفاع جوي لإيران، وأن كوريا الشمالية قد ترسل المزيد من القوات لدعم حرب روسيا ضد أوكرانيا.

وإذا نُظر إلى هذه الحوادث بصورة منفصلة، فإنها تبدو كأنها وقائع معزولة. أما إذا نُظر إليها مجتمعة، فإنها تكشف عن شبكة الاتصالات والروابط متزايدة الكثافة، وعن ملامح عالم خطير مليء بالخصومات والحروب المتشابكة.

وتعود العلاقات هذه إلى عقود خلت؛ فقد تبادلت كوريا الشمالية وإيران تكنولوجيا الصواريخ منذ ثمانينيات القرن الماضي. أما العلاقة الحالية بين روسيا والصين فتتطور وتنمو منذ تسعينيات القرن الماضي. غير أن الاتجاه نحو التآلف والتنسيق بين الخصوم قد تسارع بشكل حاد في عام 2022، عندما هاجمت روسيا أوكرانيا.

وقد جاء ذلك الغزو بعد وقت قصير من توقيع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والزعيم الصيني شي جينبينغ شراكة استراتيجية «بلا حدود».

وأضحت الصين الشريك والحليف الأول لبوتين، عبر استيعاب التجارة المحظورة في الأسواق الغربية وتوريد التكنولوجيا التي تشكل ركيزة الصناعات الدفاعية الروسية. وقدَّمت إيران الطائرات المسيرة والخبرة الفنية في استخدامها. بينما أرسلت كوريا الشمالية الذخائر والصواريخ، بل وحتى الجنود، لدعم وإسناد القوات الروسية المحاصَرة.

لقد حظيت حرب بوتين بتمويل ورعاية تحالف بكامله. غير أن هذه العلاقات تجارية ونفعية بالأساس، وجاء المقابل في صورة مساعدات وتسهيلات تتدفق في الاتجاه المعاكس.

فقد دعمت روسيا إيران في مواجهة الولايات المتحدة، عبر تزويد طهران بإحداثيات دقيقة للمنشآت الأميركية، وتقديم دروس ونماذج حول كيفية جَعْل هجمات الطائرات المسيرة والصواريخ (من النوع الذي تشنه بلا هوادة ضد أوكرانيا) أكثر تدميراً.

وقدّم بوتين تكنولوجيا حساسة للصناعة العسكرية في كوريا الشمالية، مع توفير الحماية لبيونغ يانغ من العقوبات. بينما تجني بكين المكاسب والمنافع من المعدات العسكرية الروسية عالية التقنية، مثل الدفاع الجوي المتطور وتكنولوجيا تقليل ضوضاء الغواصات. وإذا أضفت إلى ذلك العلاقات والروابط الأخرى (مثل المساعدة الصينية لإيران) تتشكل لديك شبكة معقدة من الروابط والصلات بين مختلف القوى العالمية الساعية لتوسيع نفوذها.

وأغلب هذه العلاقات ليست تحالفات رسمية؛ إذ تفتقر إلى الضمانات الأمنية التي طالما قدمتها الولايات المتحدة لأصدقائها في أوروبا وآسيا. وتشتعل التوترات حتى داخل العلاقات المثمرة؛ إذ يستاء القوميون الروس من تبعية بلادهم الاقتصادية والاستراتيجية لبكين.

غير أن هذا المحور من القوى الساعية لتوسيع نفوذها يترابط وتلتئم أجزاؤه بفعل العداء المشترك للنفوذ الأميركي والتحالفات التي تقودها الولايات المتحدة، والتي تقيّد وتكبح رؤاهم في التوسُّع والسيطرة. ومهما يكن الاسم الذي يُطلق على هذه العلاقات، فإنها تجعل كثيراً من المشكلات الاستراتيجية أكثر تفاقماً وإيلاماً للولايات المتحدة.

ويتخبط الغرب في إرغام روسيا على قبول وقف إطلاق النار، أو الكف عن قصف أوكرانيا. كما أن التحديات والتهديدات التي تواجه حرية الملاحة في الممرات المائية الضيقة حول شبه الجزيرة العربية تتضاعف.

وتوفر الرعاية والدعم من جانب الصين وروسيا الحماية لكوريا الشمالية، بينما تواصل تطوير وتحسين ترساناتها الصاروخية والنووية متزايدة الخطورة.

وفي الوقت نفسه، فإن أشد التحديات والمخاطر التي تواجه وزارة الدفاع الأميركية (المتمثلة في التحدي الصيني المتصاعد لميزان القوى في غرب المحيط الهادي) تتفاقم وتتضاعف بفعل التكنولوجيا العسكرية الحساسة التي يقدمها بوتين لبكين.

كما تقدم الدول الساعية لتوسيع نفوذها المساعدة بعضها لبعض بصورة أقل مباشرة، عبر تشتيت انتباه الولايات المتحدة ومواردها؛ فالاعتداءات والضغوط التي تمارسها موسكو وطهران تمنع الولايات المتحدة من التركيز على المحيط الهادئ.

ويدعي الخبراء والمحللون الاستراتيجيون المحايدون أن الولايات المتحدة يمكنها المناورة والخروج من هذه المشكلة، عبر تنفيذ استراتيجية «كيسنجر العكسية»، أي تخفيف حدَّة التوترات مع روسيا للتركيز على بكين.

غير أنه لا يوجد حل أو رد سهل على مشكلة التنسيق والتحالف بين الخصوم؛ فحتى لو كانت هذه العلاقات تجارية وقائمة على المنفعة ويشوبها الشك وعدم الثقة، فإن التقارب الأساسي في المصالح يُعد عميقاً للغاية.

وعندما يلاحظ القادة المستبدّون قدرة إيران على خوض الحرب مع الولايات المتحدة للوصول إلى طريق مسدود وحالة من التعادل، وجلادة روسيا وصمودها في حرب أوكرانيا، وقوة الصين وثقتها المتزايدة؛ فقد يخلصون إلى أن الزخم والاندفاع الجيوسياسي يسير في صالحهم، وعلى جانبهم.

وأفضل ما يمكن للولايات المتحدة وحلفائها فعله هو تعزيز القدرات العسكرية، وتوطيد أواصر التعاون والروابط المشتركة. ورغم ارتفاع الإنفاق العسكري في جميع أنحاء العالم الديمقراطي، فإن التماسك الاستراتيجي يشهد تراجعاً وهبوطاً حاداً (جنباً إلى جنب مع تراجع الثقة في الكفاءة والقيادة الأميركية). وتتزايد تكاليف هذا التراجع بمرور الوقت كلما أضحى هذا التقارب أكثر بروزاً ووضوحاً.

إننا لا نعيش حتى الآن في أتون دوامة شاملة من النوع الذي يعذب البشرية، كما حدث في الحرب العالمية الثانية. غير أن الولايات المتحدة وحلفاءها يواجهون أمراً لا يقل خطورة وتحدياً سوى بدرجة بسيطة؛ عصراً يتسم بتواطؤ القوى الساعية لتوسيع نفوذها وتلاقي الصراعات والنزاعات وتداخلها حول العالم.

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»