ذكرى الاجتياح العراقي للكويت التي حلَّت هذا الأسبوع، أثارت في نفوس كثير من أهل الرأي شعوراً بالحاجة لاستعادة الدروس التي كان ينبغي استخلاصها من تلك الكارثة. لقد انقضى 36 عاماً على هذا الحادث، ولكن ذكراه هذا العام تأتي مختلفة بعض الشيء، فهي تجري في أجواء حرب طال شررها معظم الدول التي تضررت -مباشرة أو غير مباشرة- من الحرب الأولى.
يُحتمل أن مرور زمن طويل نسبياً على أي حدث ينسي الناس تبعاته. كما أن شريحة واسعة من الجمهور النشط حالياً -أي جمهور الشباب- لم يعاصره، ولذا فقد تكون ذكرياته منقولة وليست تجربة فعلية. مع هذا، فالمؤكد أننا لا نستغني عن التوقف بين حين وآخر، كي نسأل أنفسنا: هل أخذنا ما يكفي من الدروس؟
الدكتور محمد الرميحي، والأستاذ عبد الرحمن الراشد، تحدثا صراحة أو ضمنياً عن حاجة لمراجعة ما فعلناه بعد الاجتياح. لا أشعر بالقلق من احتمال أن تتكرر تلك الكارثة. لقد تغير العالم على نحو يجعل احتمالاً كهذا مستبعداً جداً. مع ذلك فعلينا أن نعمل بجد، لجعل هذا الاحتمال ممتنعاً، وأن نستثمره كدافع لتعزيز البناء الداخلي لمجتمعاتنا، كي نعالج أمراضنا الأخرى.
الحروب والكوارث، مثل الانتصارات الكبرى والنجاحات الاستثنائية، يمكن أن تتحول إلى محركات للنهوض العلمي والاقتصادي، إذا استُثمرت في هذا الاتجاه.
لقد بات أمراً مسلماً أن الحرب التي يكرهها الجميع ويخشاها الجميع، يمكن أن تكون محركاً فعالاً لاختراقات تكنولوجية. ويذكر جوناثان ستريكلاند -وهو كاتب متابع لتطور التقنية- عشرات من الاختراقات العلمية الكبرى التي ترجع في المقام الأول لضغط الحاجة العسكرية، لا سيما في حقبة الحرب الباردة (1944- 1990) ثم تحولت للاستعمال المدني.
نعرف –مثلاً- أن الطائرات النفاثة طُوِّرت أولاً كأدوات قتال، ومثلها نظام تحديد المواقع الجغرافية (GPS)، وأنظمة الاتصالات اللاسلكية كالهاتف الجوال، وكذا الإنترنت والأجهزة الموجهة عن بعد، كالروبوت والطائرات المُسيَّرة والسيارات الذاتية القيادة، وتقنيات الليزر، وطب الطوارئ، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات المعادن الفائقة، والأغذية العالية التركيز، ومئات من التطبيقات التي نعتمد عليها في حياتنا اليوم.
ولعل بعض القراء يعلمون أن أوكرانيا طورت -خلال حربها الراهنة مع روسيا- نظاماً فعالاً لمقاومة الطائرات المُسيَّرة، فضلاً عن أنواع من المُسيَّرات الحربية التي لم تعرفها قبل ذلك. لاحقاً، بعد انتهاء الحرب ستتحول هذه المنظومات للتطبيقات المدنية، أو تكون قاطرة لصناعات تقنية جديدة.
حسناً... لا نحتاج إلى خوض الحروب كي نتطور. كما أن قيامها يأتي بمشكلات كثيرة. ولكن ما أدعو إليه هو استثمار الفرصة. وأظنها قائمة، بالنظر للتوتر في الجوار الإقليمي.
الأمر ببساطة على النحو التالي: نفترض أن حريقاً شب في دكانك، فقد تصرف عمرك في الركض وراء شركة التأمين لتعويضك، أو ربما تفكر في عدد المحال التي يمكن أن تحترق، وما إذا كانت تهديك فرصة لتجارة المواد المقاومة للحريق، أو معدات الإطفاء والتدريب على السلامة، أو ربما تطوير معدات وأجهزة لتقليل آثار الحريق. هذه كلها فرص ظهرت من العدم؛ لأن أزمة صغيرة قد اندلعت، وهي حريق الدكان.
ليست لدي أفكار جاهزة، ولكنني أدعو لاستثمار أجواء الحرب الحالية في دعوة الناس للتفكير. إن طرح المسألة للنقاش العام سوف يحرك أذهان كثير من الشباب لابتكار أشياء جديدة. ولعل بعضهم لديه شيء ما، ولكنه لم يجد الفضاء المناسب لطرحه على المعنيِّين.
أرى شبابنا من طلاب المدارس الثانوية والجامعات يشاركون بحماسة في المنافسات العلمية الدولية، ويحصلون على جوائز. فماذا لو فكرنا في منافسة على المستوى الوطني أو الإقليمي، ليس لنيل جائزة؛ بل للمساهمة في تطوير العلم والتقنية، والإسهام في النهضة الكبرى التي تطمح إليها مجتمعاتنا كلها. الجائزة لن تكون كأساً من الكريستال؛ بل ستكون دخولاً إلى دائرة أصحاب الملايين من رواد الأعمال وصناع النهضة. فهل سنرى مبادرة كهذه؟
