أنطوان الدويهي
أستاذ جامعي لبناني
TT

متاهة الخطاب وبلاغة الواقع

استمع إلى المقالة

لا بدّ من الكثير من التبصّر والكثير من الهدوء ووضوح الرؤية لاختراق الغموض اللبناني. وعلى الرغم من الحدّة البالغة في تناقض المواقف، يعتمد المحور الإيراني في لبنان أكثر فأكثر مفردات المشروع اللبناني نفسه للتعبير عن ذاته، مثل شعارات «السيادة»، و«استقلالية القرار»، و«عدم الارتهان للخارج»، ويجاريه مركز القرار الإيراني في «شكر لبنان على تضحياته الكبرى»، ووضع «وقف الحرب على لبنان» و«استعادة لبنان أراضيه المحتلّة» في أولويات الاتفاق الأميركي - الإيراني الذي تهاوى قبل اكتمال أيامه الستين.

يتساءل الناظر من بعيد: حسناً إذن، هل كل شيء بات قابلاً للتحاور والتسوية بين المشروع اللبناني المنخرط في التفاوض المباشر مع إسرائيل، والمشروع الإيراني الذي، على الرغم من عودة القتال، ما زال مراهناً على الحوار المباشر مع أميركا؟ وهل هما وجهان لحقيقة واحدة؟

كلّا قطعاً، فالحقيقة عكس ذلك تماماً. والمشروعان اللبناني والإيراني هما الآن في أوّج تصادمهما المصيري. فمتاهة الألفاظ والعبارات المتشابهة لا تخفي وضوح الوقائع وبلاغتها، ولا تحجب عمق الصراع الكبير على هويّة «بلاد الأرز» ومستقبلها.

ولتبيُّن الهُوَّة الفاصلة بين المشروع اللبناني والمشروع الإيراني في لبنان، يكفي أن نطرح التساؤل التالي: هل يحبّذ المحور الإيراني انسحاب القوات الإسرائيلية من هذه المنطقة أو تلك من جنوب لبنان لتسليمها إلى الدولة اللبنانية الفعليّة؟ كلّا طبعاً. فإذا كانت «المناطق التجريبية» التي يُعمَل عليها الآن ستؤدي إلى عودة مؤسسات الدولة الفعليّة إلى هذه المناطق، وأن تصبح هي حصراً مرجعيتها الإدارية والأمنية والقضائية والاقتصادية، فالمحور الإيراني يفضّل في هذه الحالة، وإلى حدٍّ بعيد، بقاء هذه المناطق تحت الاحتلال الإسرائيلي.

وهنا تنجلي ضبابية الألفاظ المتشابهة في الشكل، المتناقضة في الجوهر. فعندما يتحدّث الطرف الإيراني عن الانسحاب الإسرائيلي من لبنان واستعادة لبنان سيادته على أراضيه، فهو يعني أن يتسلم «حزب الله» وحلفاؤه المناطق المحرَّرة. فلبنان في عرفه هو المحور الإيراني في لبنان، وليس أيّ شيء آخر. لذلك تستميت جماعة المحور في الدعوة إلى تسليم إيران مهمة التفاوض لتحصيل حقوق لبنان في التحرير وإعادة الإعمار وسائر المطالب. فالدولة اللبنانية الفعلية لا مكان لها في ذلك كلّه، وهي غير موجودة أصلاً في عرف المحور الإيراني، الذي وصفت جماعته المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية بالباطلة والملغاة أصلاً، لأن الإسرائيلي فيها «يفاوض نفسه».

وحين نتكلّم عن الدولة اللبنانية «الفعلية»، فإننا نطرح مشكلة معقّدة. ذلك أن الثورة الإسلامية الإيرانية، بعيد تسلّمها السلطة عام 1978، بذلت على مدى أكثر من أربعين عاماً جهوداً عاتية؛ مالية وعسكرية وتنظيمية وآيديولوجية وإعلامية، لتحقيق هدفين كبيرين: الأوّل، إقامة دولة المحور الإيراني على هامش دولة «لبنان الكبير» وخارج إرادتها، وهو ما تحقّق فعلاً. والآخر، اختراق مؤسسات دولة «لبنان الكبير» بكل الوسائل؛ لتفخيخها والعمل من خلالها، وهو ما تمّ أيضاً بنسبة كبيرة. وما ساعد بفاعلية على تحقيق ذلك هو التحالف الوطيد بين إيران الوليّ الفقيه وسوريا آل الأسد، خلال الهيمنة السورية على لبنان لمدة ثلاثين عاماً بتفويض أميركي - غربي وموافقة عربية. وبعد الانسحاب السوري المفاجئ من لبنان عام 2005، استطاع المحور الإيراني تثبيت سيطرته على البلاد، خصوصاً عبر «التحالف الرباعي» (2005)، و «اتفاق مار مخايل» (2006)، ومعظم أطراف «توافق 2016 الرئاسي». كانت القاعدة السائدة: «أعطونا موافقتكم أو صمتكم عن سياساتنا، وخذوا ما شئتم من مناصب وصفقات ومكاسب». ومن يعترض تتمّ تصفيته أو تحييده، مما جرَّ «بلاد الأرز» إلى قعر الهاوية.

وماذا الآن؟ إذا كانت الدولة اللبنانية الفعلية ستتسلم المناطق المحررة من الوجود الإسرائيلي، فالمحور الإيراني سيرفض ذلك بالمطلق. وإذا كان الجانب المفخّخ من الدولة هو الذي سيتسلم، فالمحور يرضى ويرحّب، إذ تعود الأمور إلى ما كانت عليه. لكن هذا الاحتمال بات شبه مستحيل.

يبقى على الدولة اللبنانية تحقيق حصرية السلاح في يدها وحدها. ويبقى عليها ما هو أصعب: تحرير ذاتها من الجانب المفخّخ فيها. وهذا الجانب واسع، ومتشعّب، وقويّ، ومتضامن، وخصوصاً خائف من المحاسبة التي لم يكن يتوقعها قط، في ظلّ تقلّب الأوضاع وتبدّل موازين القوى في المنطقة. علماً بأنَ المنفذ السوري قد انسدّ في وجهه.

والرهان سيكون على المجتمع اللبناني الحيّ الذي سيلتفّ بقوة حول الدولة الفعلية. وهو ليس بالأمر الجديد. فمنذ نشأ الكيان اللبناني قبل 165 عاماً حتى الآن، وخلافاً للدول المحيطة، كان المجتمع وليس الدولة، هو مصدر النهوض والإشعاع.