د. عبد المنعم سعيد
عضو مجلس الشيوخ المصري حالياً، ورئيس مجلس إدارة «مؤسسة المصري اليوم» الصحافية في القاهرة، ورئيس اللجنة الاستشارية لـ«المجلس المصري للدراسات الاستراتيجية»، وسابقاً كان رئيساً لمجلس إدارة «مؤسسة الأهرام» الصحافية، و«مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية»، و«المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية»، وعضو مجلس الشورى المصري. كاتب في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ عام 2004، و«الأهرام» و«المصري اليوم»... وعدد من الصحف العربية. أكاديمي في الجامعات والمعاهد المصرية، وزميل زائر في جامعة «برانديز» الأميركية، ومؤلف للعديد من الكتب.
TT

جولة حرب أخرى؟!

استمع إلى المقالة

دار الزمان دورته وأصبح على العالم مواجهة جولة أخرى من حرب الخليج الرابعة، حيث أخذت حظها منذ 28 فبراير (شباط) الماضي من القتال الشديد القسوة، والمفاوضات والمباحثات التي تبحث عن نهاية للحرب، أو إذا استحالت يكون هناك وقف إطلاق النار لعل العقل والحكمة يسودان. الحروب هي احتراف القتل الجماعي؛ والتدمير الذي لا يبقى دفاعاً؛ وذلك هو «استراتيجية» لتحقيق النصر أو تجنب الهزيمة أو باختصار شديد تأجيل كل شيء إلى يوم آخر. الحقيقة هذه المرة جعلت مثل ذلك نهاية يصعب الإمساك بها؛ الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان يعلن النصر طوال الوقت لأنه دمر الكثير من المعدات الإيرانية، أما الإيرانيون فقد كان يكفيهم البقاء بعد أن وضع ترمب نصره على حافة تغيير النظام. الغريب أن ترمب عندما نجح في إبادة القيادة الإيرانية في اليوم الأول من الحرب؛ وجد نفسه فعلاً أمام قيادات جديدة، في وقت وصفها بالعقلانية، وأنه من ثم نجح في إسقاط النظام، ولكنه في أوقات أخرى وصفهم أوصافاً مسيئة!

الاستراتيجية الأميركية قامت على أنَّ النصر يُطال عندما يحدث أكبر قدر ممكن من تخفيض القدرات العسكرية الإيرانية وهو ما نجحت فيه، ومع ذلك فإن البقاء والقدرة على تحمل الألم كانا كافيين. طهران كانت لديها استراتيجية أخرى، وهي إدخال العالم في أزمة اقتصادية عن طريق منع 20 في المائة من الطاقة العالمية من الوصول إلى أسواقها، فترتفع أسعار النفط، ويسود الغلاء وينتصر الغضب. الجولة الجديدة جاءت عندما نزل الستار عن انتهاء وقف إطلاق النار، وعاد الأميركيون إلى حصار الموانئ الإيرانية، بينما تخنق إيران مضيق هرمز. نحن نعلم أن كثيرين أكدوا أن ترمب يحتاج إلى استراتيجية أخرى للوصول إلى أهداف لم يحققها في جولته الأولى؛ وغير معلوم ما إذا كان الإيرانيون قد حصلوا على النصيحة نفسها؛ ولكن الظاهر هو أن الجبهة اليمنية في طريقها للاستيقاظ، ويدخل الحوثيون الساحة مرة أخرى، ومعهم الحكومة الشرعية اليمنية التي نجحت في تثبيت أقدامها.

صحيفة «الأسترالي» في مقال بيتر جينينغز قام بجمع مقترحات استراتيجية تكفل لترمب هزيمة إيران: أولها أن يخصص أسبوعاً للمراجعة الاستراتيجية لكيفية تحقيق هزيمة «الحرس الثوري» الإيراني سياسياً واقتصادياً وعسكرياً؛ وليس ضرب الأهداف الإيرانية. في هذا الاجتماع يحتاج ترمب إلى الاستماع إلى النصيحة الاستراتيجية ويقوم بتعريف معنى النصر قبل أن يبدأ العمليات العسكرية. وثانيها أن يكلف وزير الخارجية ماركو روبيو الحديث إلى الأوروبيين، والاستماع إلى وجهات نظرهم، ويتفهم احتياجاتهم، ويضغط عليهم لكي يشاركوا في العمليات الإيرانية. وبعد ذلك يذهب روبيو إلى دول الشرق الأوسط لتأييد التوصل إلى قرار محدد للحرب. وثالثها أن يشرح ترمب للشعب الأميركي الغرض من الحرب في خطاب رسمي، مؤكداً أن الحرب سوف تستغرق بعض الوقت حتى يمكن إسقاط «الحرس الثوري» من السلطة. ورابعها أن يتولى الاستيلاء على جزيرة «خرج»، حيث محطة البترول؛ مع التشديد في استخدام العقوبات بحيث لا تتسرب الأموال إلى النظام الإيراني. وخامسها تكوين ائتلاف بحري دولي لقيادة السفن وحمايتها خلال مرورها من مضيق هرمز. الولايات المتحدة سوف تتحمل العبء الأكبر في هذا الائتلاف؛ ولذا سوف تكون هناك حاجة إلى وجود أقدام على الأرض في جزيرة «قشم» القريبة من المضيق. وسادسها إبلاغ بكين أنه إذا كانت الصين ترغب في علاقات إيجابية مع الولايات المتحدة؛ فإن عليها التوقف عن التأييد العلني والسري للنظام الإيراني.

المقترحات بعد ذلك تمضي إلى الطلب من إسرائيل المشاركة في العمليات العسكرية التي تستهدف قيادات «الحرس الثوري»؛ وهو الأمر الذي يبدو أن ترمب حاول تجنبه نظراً لما رآه من إشكاليات مصاحبة إسرائيل، وهي التي تقوم بعمليات وحشية في غزة ولبنان بينما تقوم ببناء المستوطنات في المناطق المؤهلة لكي تكون جزءاً من الدولة الفلسطينية التي تسعى الأطراف العربية إليها وتراها جزءاً مهماً من إقرار الاستقرار في المنطقة. وكذلك، فإن الواضح من المقترحات هو أنه لا توجد مصلحة عسكرية للولايات المتحدة في الدفع بقواتها البرية إلى الداخل الإيراني، حيث الكثافة السكانية التي تدفع بذكريات فيتنام وأفغانستان والعراق إلى الذاكرة الأميركية؛ ولكن الاستيلاء على الجزر أمر آخر؛ فهي من ناحية خفيفة السكان وذات طبيعة استراتيجية، ومن ناحية أخرى، فإنها سوف توصم «الحرس الثوري» بالمسؤولية عن احتلال أرض إيرانية. الأمر في الأول والآخر هو وجود دراسات غربية متعددة للتعامل العسكري مع الجولة المقبلة من الحرب؛ وبقي أن يضاف لها تفكير عربي يزن ما سبق ويحضّر لما هو قادم.