لَكِ يَا مَنَازِلُ فِي الفُؤَادِ مَنَازِلُ أَقْفَرْتِ أَنْتِ وَهُنَّ مِنْكِ أَوَاهِلُ
هَذَا بَيْتُ شِعْرٍ بَدِيعٍ لِأَبِي الطَّيِّبِ، مِنْ أَجْمَلِ مَطَالِعِ قَصَائِدِ المُتَنَبِّي، يَفِيضُ شَوْقًا وَحَنَانًا.
قَالَ الثَّعَالِبِيُّ عَنِ البَيْتِ: «وَهَذَا ابْتِدَاءٌ حَسَنٌ وَمَعْنًى لَطِيفٌ... أَخَذَ بِأَطْرَافِ الرَّشَاقَةِ وَالمَلَاحَةِ».
وَيَرِدُ البَيْتُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ، مُسْتَبْدِلًا (القُلُوب)، بـ(الفُؤَاد).
كَلِمَةُ (الفُؤَاد)، أَبْلَغُ فِي رَأْيِي، مِنْ (القُلُوب)، وَإِنِ اتَّفَقَتَا دَلَالَةً عَلَى المُضْغَةِ النَّابِضَةِ.
فِي الصَّحِيحَيْنِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ:
«أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ».
وَ(الفُؤَاد) مُفْرَدٌ، وَ(القُلُوب) جَمْعٌ، وَكَذَا (مَنَازِل) الأُولَى، وَهِيَ المُنَادَى فِي صَدْرِ البَيْتِ، جَمْعٌ.
عِنْدَمَا تَكُونُ لِلمَنَازِلِ الأُولَى، (مَنَازِل) فِي فُؤَادٍ وَاحِدٍ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ لَهَا مَنْزِلَةً كُبْرَى وَمَحَبَّةً عُظْمَى.
فِي حِينٍ سَيُقَسَّمُ الجَمْعُ؛ (مَنَازِل)، عَلَى جَمْعٍ، هُوَ: (القُلُوب)، فَيَكُونُ نَصِيبُ كُلِّ قَلْبٍ فِيهَا، قَلِيلًا مِنَ المَنَازِلِ، وَهُوَ مَا لَا يَتَنَاسَبُ مَعَ مَعْنَى البَيْتِ، وَمَا فِيهِ مِنْ سَخَاءٍ.
أَلَمْ تَرَ عِنْدَ قِرَاءَتِكَ بَيْتَ المُتَنَبِّي هَذَا، كَيْفَ تَزْدَحِمُ فِي ذِهْنِكَ، ذِكْرَيَاتُ الصِّبَا، وَصُوَرُ الطُّفُولَةِ، وَمَرَاتِعُ قَضَّاهَا الشَّبَابُ هُنَالِكَا؟
وَكَيْفَ دَبَّتْ فِي أَنْحَائِكَ الطُّمَأْنِينَةُ، بِتَكْرَارِ ذِكْرِ المَنَازِلِ الكَثِيرَةِ؟ وَهِيَ لَا تَحْضُرُ، إِلَّا وَتُحْضِرُ مَعَهَا، فِي النَّفْسِ، سَكِينَةَ السُّكْنَى. إِنَّ مُرُورَ أَلفَاظِ بَيْتِ المُتَنَبِّي عَلَى الآذَانِ، يُصَوِّرُ فِي الأَذْهَانِ بَرَاءَةَ رَكْضِ الأَطْفَالِ بَيْنَ الْمَنَازِلِ، وَزَوَايَا الجَدَّاتِ الصَّالِحَاتِ؛ فَهُنَّ أَرْكَانُ البُيُوتِ الرَّكِينَةِ، وَمَشَاهِدُ الطِّيبَةِ وَالكَرَمِ وَالمَوَدَّةِ، تَتَجَسَّدُ فِي أَبْنَاءِ المَنَازِلِ وَبَنَاتِهَا، يَتَنَقَّلُونَ مِنْ مَنْزِلٍ إِلَى مَنْزِلٍ، حَامِلِينَ مَعَهُمْ أَطْبَاقَ سَخَاءٍ، فِيهَا بَعْضُ طَعَامِهِمْ، يُطْعِمُ أَهْلُ كُلِّ مَنْزِلٍ، أَهْلَ مَنْزِلٍ آخَرَ، فِي مَشْهَدٍ هُوَ أَثَرُ حُبٍّ مُتَنَاثِرٍ فِي كُلِّ شِبْرٍ مِنْ كُلِّ مَنْزِلٍ، وَالرَّحَمَاتُ الكَثِيرَاتُ المُنْتَشِرَاتُ، تَصْعَدُ مِنَ البُيُوتِ، وَتَهْبِطُ إِلَيْهَا...
وَلِأَبِي تَمَّامٍ، بَيْتٌ ذَهَبَ مَثَلًا سَائِرًا:
كَمْ مَنْزَلٍ فِي الأَرْضِ يَأْلَفُهُ الفَتَى وَحَنِينُهُ أَبَدًا لِأَوَّلِ مَنْزِلِ
وَمَا أَجْمَلَ قَوْلَ ابْنِ الجَوْزِيِّ:
«تَاللَّهِ مَا تُعْشَقُ الأَمَاكِنُ لِذَاتِهَا، بَلْ لِسَابِقِ لَذَّاتِهَا». (المُدْهِش).
وَمِنْ أَجْلِ قِيمَةِ المَنْزِلِ عِنْدَهُمْ، قَالُوا: فُلَانٌ مِنَ الكَرَمِ بِمَنْزِلٍ، وَمِنَ اللُّؤْمِ بِمَعْزِلٍ. فَجَعَلُوا لِلكَرَمِ مَنْزِلَةً، وَلِصَاحِبِهِ فِيهَا مَقَامًا.
يُقَالُ: لَهُ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ الأَمِيرِ: أَيْ مَكَانَةٌ. وَهُوَ رَفِيعُ المَنَازِلِ: أَيِ المَرَاتِبِ.
وَسَحَابٌ نَزِلٌ، وَسَحَابٌ ذُو نَزَلٍ: كَثِيرُ المَطَرِ. وَرَجُلٌ ذُو نُزُلٍ: كَثِيرُ الفَضْلِ وَالعَطَاءِ. (أَسَاسُ البَلَاغَةِ)، الزَّمَخْشَرِيُّ.
قَالَ ابْنُ الحَاجِبِ فِي أَمَالِيهِ:
«يَقُولُ: إِنَّ مَنَازِلَ أَحْبَابِي لِشَغَفِي بِهَا مِنْ أَجْلِ أَحْبَابِي، صَارَ فِي قَلْبِي لَهَا مَنَازِلُ، وَإِذَا كَانَ فِي قَلْبِي لَهَا مَنَازِلُ، لِمَنَازِلِ الأَحْبَابِ، لِأَجْلِ الأَحْبَابِ، فَمَا ظَنُّكَ بِالأَحْبَابِ؟ ثُمَّ انْعَطَفَ فَقَالَ: أَقْفَرْتِ أَنْتِ مِمَّنْ كَانَ يَحِلُّكِ مِنْهُمْ، وَالمَنَازِلُ الَّتِي فِي قَلْبِي لَكِ لَمْ تَخْلُ مِنْكِ. وَإِذَا لَمْ تَخْلُ مِنْهَا لِأَجْلِ أَحْبَابِهِ، فَمَا ظَنُّكَ بِأَحْبَابِهِ؟».
الكَلِمَاتُ: مَنَازِلُ: جَمْعُ مَنْزِلٍ، وَالمَنْزِلُ: الدَّارُ وَالمَسْكَنُ. وَالمَنْزِلَةُ مِثْلُهُ. الفُؤَادُ: القَلْبُ.
قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: وَمِمَّا هُوَ مِنْ قِيَاسِ البَابِ عِنْدَنَا:
الفُؤَادُ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِحَرَارَتِهِ. يَقُولُونَ: فُؤَادٌ نَبِضٌ، كَأَنَّهُ مِنْ شَهَامَتِهِ يَنْبِضُ، أَيْ يَتَحَرَّكُ. (مَقَايِيسُ اللُّغَةِ).
أَقْفَرْتِ: خَلَوْتِ وَرَحَلَ أَهْلُكِ. أَوَاهِلُ: جَمْعُ آهِلَةٍ، أَيْ عَامِرَةٍ بِأَهْلِهَا.
وَلِبَيْتِ القَصِيدِ، قِصَّةٌ عَجِيبَةٌ غَرِيبَةٌ، نَخْتُمُ بِهَا:
جَلَسَ أَبُو العَلَاءِ المَعَرِّيُّ يَوْمًا عِنْدَ الشَّرِيفِ المُرْتَضَى، وَكَانَ يَكْرَهُ المُتَنَبِّي، وَأَبُو العَلَاءِ يُحِبُّ المُتَنَبِّي، وَيَمْدَحُهُ.
ذُكِرَ المُتَنَبِّي فِي المَجْلِسِ، فَذَمَّهُ المُرْتَضَى... فَقَالَ أَبُو العَلَاءِ:
لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلمُتَنَبِّي، إِلَّا قَوْلُهُ:
«لَكِ يَا مَنَازِلُ فِي الفُؤَادِ مَنَازِلُ» لَكَفَاهُ فَضْلًا وَشَرَفًا.
فَغَضِبَ المُرْتَضَى، وَأَمَرَ فَسُحِبَ المَعَرِّيّ بِرِجْلِهِ، وَأُخْرِجَ مِنْ مَجْلِسِهِ.
ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى جُلَّاسِهِ وَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَاذَا أَرَادَ الأَعْمَى بِذِكْرِهِ مَطْلعَ القَصِيدَةَ؟ إِنَّه أَرَادَ قَوْلَ المُتَنَبِّي فِيهَا:
وَإِذَا أَتَتْكَ مَذَمَّتِي مِنْ نَاقِصٍ فَهْيَ الشَّهَادَةُ لِي بِأَنِّي كَامِلُ
وَإِلَّا فَلِلمُتَنَبِّي قَصَائِدُ أَحْسَنُ مِنْهَا.
قُلْتُ: أَخْشَى أَنْ يَكُونَ الشَّرِيفُ المُرْتَضَى بِغَضَبَتِهِ، أَثْبَتَ صِحَّةَ بَيْتِ المُتَنَبِّي؟
