د. ياسر عبد العزيز
كاتب مصري وخبير في مجال الإعلام والاتصال. مدير مكتب«الشرق الأوسط»في القاهرة. عضو مجلس الشيوخ. عمل مستشاراً ومدرباً مع عشرات المؤسسات الإقليمية والدولية.
TT

كأس العالم... حين تستعيد الشاشة الواحدة عرشها

استمع إلى المقالة

أمام شاشة صغيرة في مقهى مُزدحم، أو على هاتف محمول في قطار سريع، أو داخل غرفة معيشة تتنوع فيها الأجيال، تتكرر الصورة نفسها كل أربع سنوات. تتوقف الأحاديث، وتُحبس الأنفاس، وتتجه الأنظار إلى المستطيل الأخضر، وكأن العالم كله قد اتفق على إيقاع واحد في لحظة واحدة. ففي زمن يُقال إنه عصر «التشتت الإعلامي» و«انهيار صيغة الجمهور المُوحد»، تبدو كأس العالم استثناء يصعب تفسيره بمنطق الرياضة وحدها. فهذه البطولة لا تجمع المنتخبات فحسب؛ بل تُعيد جمع الجماهير أيضاً، بعد أن شتتتها الخوارزميات بين آلاف الشاشات وملايين الاهتمامات.

ففي هذا الشهر، الذي يأتي مرة واحدة كل أربع سنوات، تتوقف عقارب الإعلام عن جريها المعتاد، لتدور جميعها حول محور واحد لا ينازعه منازع. في ذلك الشهر يكف الجمهور عن كونه جمهوراً مُشتتاً بين شاشات لا تُحصى، ليعود، ولو مؤقتاً، إلى صورة «الجمهور الكلاسيكي»، الذي يجتمع أمام حدث واحد، في وقت واحد، بقلب واحد يخفق مع الصورة ذاتها. كأس العالم ليست بطولة كرة قدم فحسب؛ بل هي تجربة استعادة قسرية لعادات لم يعد أحد يظن أن استعادتها مُمكنة.

فمنذ أكثر من عقد تحدث الباحثون الإعلاميون عن «تفتت الجمهور» بوصفه قدراً لا مفر منه في عصر المنصات؛ إذ صار كل فرد يبني جدول استهلاكه الخاص، ويختار وقته وسياقه ووتيرته، حتى غدا مفهوم «البث في الوقت المحدد للجميع» أثراً من آثار الماضي. لكن «المونديال» يقلب هذه المعادلة رأساً على عقب. فما إن تُطلق صافرة الافتتاح حتى تنكمش خرائط الاستهلاك المُتشعبة لتتجمع حول نقطة واحدة، وتتراجع أنواع أخرى من المحتوى تراجعاً محسوساً؛ الدراما، والبرامج الحوارية، وحتى الأخبار العامة تفقد جزءاً من جمهورها لصالح المباراة التي لا تحتمل التأجيل ولا التقطيع، ولا إعادة المشاهدة بالنكهة ذاتها.

هنا يكمن سر البث الحي وتفوقه على المحتوى عند الطلب؛ إذ إنه يمنح اللحظة قيمة لا تُعوض ولا تُستعاد. فالمباراة التي تُشاهَد بعد ساعات، حتى إن كانت نتيجتها مجهولة للمُشاهد، تفقد شيئاً جوهرياً من توترها، لأن المعنى في كرة القدم لا يكمن في الحدث وحده؛ بل في اشتراك الملايين في عدم معرفة ما سيحدث تالياً في اللحظة نفسها. هذا التزامن هو جوهر ما سمّاه الباحثان دانيال دايان وإليهو كاتز «الطقوس الإعلامية»؛ أي تلك المناسبات التي تتوقف فيها الحياة اليومية، وتتحول المشاهدة من فعل استهلاكي عابر إلى طقس جماعي «شبه مقدس»، يحمل قواعده الخاصة، ولحظاته المتوترة، وصمته المهيب، قبيل تنفيذ ركلة الجزاء.

ولا تقتصر هذه الطقوس على غرف الجلوس؛ فالمشاهدة الجماعية تفيض إلى الساحات العامة والمقاهي والشاشات العملاقة المنصوبة في الميادين، لتصبح المدينة نفسها استوديو بث مفتوحاً على الشغف والفوران العاطفي. وما يبدو للوهلة الأولى نكوصاً إلى زمن التلفزيون الأول، هو في الحقيقة اندماج ذكي بين المنصات «التقليدية» والرقمية؛ إذ تتحول شبكات «التواصل الاجتماعي» إلى مسرح موازٍ يعلّق ويحلل ويتفاعل في الزمن الحقيقي ذاته، فتُضاعف قوة الحدث، وتؤطر مشاهدته، وتمنحها المزيد من المعاني والانفعالات في كل لحظة.

والأعمق من ذلك أن كأس العالم باتت من آخر القلاع القادرة على صناعة أجندة إعلامية عالمية موحدة، في زمن تشظّت فيه حتى الحقيقة نفسها بين خوارزميات متعددة لا تعرض للجميع الشيء ذاته؛ فحين يجتمع نصف سكان الكوكب تقريباً حول شاشة واحدة، يستعيد الإعلام لحظة نادرة من التزامن الكوني، تُذكّرنا بأن فكرة «الحدث الجامع» لم تمت كما أُشيع؛ بل انتظرت المناسبة الصحيحة لتُبعث من جديد.

ولعل في هذا ما يفسر لماذا تستميت الشبكات والمنصات على اختلافها في اقتناص حقوق البث؛ فالأمر لا يتعلق بمباريات كرة قدم، بل بامتلاك تلك اللحظة النادرة التي يتوقف فيها الزمن الفردي المُشتت، ليتحد، ولو لثلاثين يوماً، في زمن جمعي واحد لا يشبهه شيء آخر في المشهد الإعلامي المعاصر.

لقد اعتاد الباحثون خلال العقدين الأخيرين، الحديث عن نهاية العصر الذي كانت فيه وسائل الإعلام تصنع لحظة جماعية واحدة يشاهدها الجميع في الوقت نفسه؛ فصعود المنصات الرقمية وانتشار المشاهدة عند الطلب منحا كل فرد جدوله الخاص ومحتواه الخاص، حتى بدا أن فكرة الجمهور الواحد قد أصبحت جزءاً من الماضي. غير أن كأس العالم تعود في كل دورة لتختبر هذه الفرضية من جديد، ولتثبت أن بعض الأحداث لا يزال قادراً على انتزاع الإنسان من عزلته الرقمية، وإعادته إلى فضاء المشاهدة الجمعية.