زاهي حواس
عالم آثار مصري وخبير متخصص بها، له اكتشافات أثرية كثيرة. شغل منصب وزير دولة لشؤون الآثار. متحصل على دبلوم في علم المصريات من جامعة القاهرة. نال درجة الماجستير في علم المصريات والآثار السورية الفلسطينية عام 1983، والدكتوراه في علم المصريات عام 1987. يكتب عموداً أسبوعياً في «الشرق الأوسط» حول الآثار في المنطقة.
TT

سر تابوت الملكة!

استمع إلى المقالة

في عام 1932، كان عالم الآثار الفرنسي غوستاف جيكييه يقوم بالحفائر في منطقة جنوب سقارة بالقرب من هرم الملك بيبي الثاني آخر الفراعنة العظام في الأسرة السادسة والدولة القديمة. وفي الركن الشمالي الغربي من السور المحيط بهرم بيبي الثاني، كشف جيكييه عن أطلال هرم الملكة إيبوت الثانية – إحدى زوجات بيبي الثاني. وعلى الرغم من أن جيكييه كشف عن اسم الملكة وصاحبة الهرم وكذلك ألقابها، لكن ذلك لم يكن هو أعظم أو أهم ما كشف عنه في حفائره. كانت المفاجأة غير المتوقعة هي الكشف عن خمسة مخازن ملحقة بالمعبد الجنائزي للملكة إيبوت الثانية. وفي أثناء قيام جيكييه بالحفر وتنظيف المخزن الخامس الأخير وجد تابوتاً حجرياً مدفوناً في أرضية المخزن! كان التابوت مقطوعاً من حجر الغرانيت بينما غطاء التابوت من كتلة ضخمة من البازلت. ونتيجة لذلك يعتقد الباحثون أن التابوت معاد استخدامه من أكثر من مكان. والاسم المكتوب على التابوت يُقرأ الملكة عنخ إس إن بيبي، وهي بذلك تكون الملكة الرابعة التي تحمل هذا الاسم بعد زوجات الفرعون بيبي الأول الثلاث اللائي حملن الاسم نفسه «عنخ إس إن بيبي». فمن تكون الملكة عنخ إس إن بيبي الرابعة؟ ولماذا دفنت في تابوت داخل أحد مخازن معبد جنائزي لضرتها؟!

يتفق علماء المصريات أن عنخ إس إن بيبي هي زوجة بيبي الثاني، التي تزوجها في فترة حكمه الأخيرة التي تخطت التسعين عاماً كأطول فترة حكم لملك مصري على الإطلاق. وربما كانت وفاة هذه الملكة حدثت بعد وفاة الفرعون. ولم تكن تلك هي كل المفاجآت، بل كانت هناك نقوش ضعيفة للغاية حول الغطاء البازلتي للتابوت مكتوبة من الداخل والخارج. ونظراً لعدم وضوح النقوش كانت قراءتها صعبة للغاية على المكتشف غوستاف جيكييه. وظل غطاء التابوت محتفظاً بسر نقوشه الغامضة حتى نسيه علماء المصريات لما يزيد على نصف قرن من الزمان. إلى أن جاء الباحثان الفرنسيان ميشيل بود وفاسيلي دوبريف وتمكنا معاً من اكتشاف أن نقوش غطاء التابوت ما هي سوى حوليات لفراعنة الأسرة السادسة. أي سرد لأسمائهم وأهم أعمالهم. وتقدم تلك الحوليات معلومات تاريخية مهمة خاصة عن فراعنة مجهولين مثل أوسر كا رع الذي ربما حكم لمدة أربع سنوات فقط بعد وفاة أو اغتيال مؤسس الأسرة السادسة تتي.

والخلاصة أن المجموعة الهرمية المتواضعة للملكة إيبوت الثانية تكاد تكشف عن جوانب الانهيار المادي والاجتماعي لأسرة الفرعون في أواخر حياة الفرعون بيبي الثاني وعقب وفاته مباشرة. كذلك فإن صغر حجم العمارة الجنائزية، وتراجع الكفاءة المعمارية، والذوق الفني، ودفن ملكة مثل عنخ إس إن بيبي الرابعة في مخزن، كل ذلك يشير إلى تواضع وتدهور واضح في مركز وموارد آخر فراعنة الأسرة السادسة، وبداية الانهيار الحتمي للدولة القديمة. كتبت نقوش تابوت الملكة كلمة النهاية لتقوم ثورة اجتماعية في مصر الفرعونية تأتي على الأخضر واليابس. وتدخل البلاد في نفق مظلم لأكثر من مائة عام قبل أن يعيد ملك صعيدي اسمه منتوحتب الثاني توحيد البلاد وإخراجها من النفق المظلم إلى حمل شعلة الحضارة مرة ثانية.