سواء تمخضت لعبة المفاوضات الدبلوماسية المستمرة منذ 60 يوماً بين إدارة ترمب وبقايا الجمهورية الإسلامية عن شيء يشبه السلام أو لا، فإن ثمة أمراً واحداً يبدو جلياً: لن تمطر السماء ذهباً فوق إيران، مثلما يزعم الفصيل المشارك في هذه المحادثات.
من جهته، يروج الفصيل الذي يضم بقايا «حاشية رفسنجاني»، مع بعض الخصوم السابقين داخل مافيا الأمن والعسكر، لمكاسب ضخمة، ملمّحين إلى قدرة إيران على استعادة أصول مجمدة تُقدر بأكثر من 100 مليار دولار في 22 دولة، بخلاف جني أموال عبر فرض رسوم على السفن المارة بمضيق هرمز، والانطلاق في تصدير النفط الخام على نحو فوري.
أما «الطبق الرئيس» في هذه المأدبة الوهمية، فيكمن في تلك «الجزرة» التي لوّح بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بقيمة 300 مليار دولار كبديل لـ«العصا»، المتمثلة في تهديداته بقصف إيران وإعادتها إلى العصر الحجري.
وإذا ما جمعت هذه الأرقام التي تسيل اللعاب، فإنك تتحدث هنا عن طفرة مالية غير متوقعة تصل قيمتها إلى تريليون دولار.
وعليه، ليس من المستغرب أن يبدي كثيرون داخل الولايات المتحدة وأماكن أخرى قلقهم من أن يؤدي هذا الانتعاش القوي للاقتصاد الإيراني المحتضر إلى تسريع خطط طهران طويلة الأجل لتطوير أسلحة نووية وصواريخ بعيدة المدى، وتصدير ثورتها إلى المنطقة وما وراءها.
ومن بين الذين عبّروا عن هذا القلق خصوم ترمب السياسيون، مثل بيل أكمان، قطب صناديق التحوط وأحد كبار المانحين للحزب الديمقراطي. كما يضم معسكر القلق محللين مناهضين لواشنطن في أوروبا، ناهيك ببعض الإسرائيليين الذين يشعرون بأن ترمب قد خذلهم. وفي المقابل، يخشى بعض أقطاب المعارضة الإيرانية في المنفى أن تتبدد آمالهم في الوصول إلى السلطة بدعم أميركي.
وكما الحال غالباً مع القضايا المرتبطة بهذا النظام الإيراني الغريب، يمكننا القول هذه المرة كذلك إننا عشنا هذا السيناريو من قبل، ورأينا تفاصيله.
دعونا نعود بالذاكرة إلى عام 2015 و«الاتفاق النووي» الكارثي الذي أبرمه الرئيس باراك أوباما مع الملالي، والمعروف باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة». حينها، نقلت العناوين الصحافية الرئيسة في طهران عن الرئيس الأسبق حسن روحاني قوله: «جدار العقوبات قد انهار!»، في إشارة ضمنية إلى إحراز النصر. وزعم معلقون وقتها أن الجمهورية الإسلامية ستتدفق عليها أموال طائلة، لدرجة أنها ربما تجد صعوبة في إنفاقها، إلا أنه في نهاية المطاف لم تحصل طهران إلا على 1.7 مليار دولار فقط، في شكل أوراق نقدية خضراء هُرِّبت داخل حقائب جلدية. في المقابل، وُضعت إيران تحت وصاية ما يُعرف بمجموعة «5+1» لمدد تتراوح بين 15 و25 عاماً.
وحتى جو بايدن لوّح هو الآخر بجزرة تمثلت في 8 مليارات دولار من الأصول الإيرانية المجمدة في كوريا الجنوبية، ونُقلت الأموال بالفعل من سيول إلى بنك في قطر في طريقها إلى إيران، لكنها لم تصل إلى هناك قَطّ.
بعد عام، أعلنت قطر أنها اقتطعت مليار دولار مقابل «استضافة» تلك الأموال. والأسبوع الماضي، أُعلن أن الأموال ستُنقل إلى البنك المركزي الباكستاني، تمهيداً لتحويلها إلى إيران، وذلك بعد «حمية تخسيس» أخرى أفقدتها مليار دولار إضافياً تحت اسم «رسوم مصرفية وتأمين متنوعة». وفي غضون ذلك، وصف نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس المحادثات التي استضافتها سويسرا بأنها «بنّاءة»، ووعد بتسريع عملية تحويل الأموال، في وقت يسيل فيه لعاب الباكستانيين للحصول على حصتهم من الكعكة.
والحقيقة أن الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة لا يتوقف على موافقة ترمب؛ إذ يتطلب الأمر موافقة أكثر من 40 دولة، بما في ذلك دول الاتحاد الأوروبي الـ27، والتي يتعين عليها إلغاء آلية «العودة السريعة» لتعليق العقوبات التي أعادت تفعيلها الصيف الماضي.
أما ما قد تفعله الصين، باعتبارها أكبر حائز للأصول الإيرانية المجمدة، فيظل رهن التخمين؛ فالصورة ضبابية، بخاصة أنها ترفض حتى الآن المدفوعات النقدية، وتصر بدلاً من ذلك على أن تشتري إيران سلعاً صينية.
وفي مرحلةٍ ما، سيتطلب الأمر كذلك صدور قرار جديد من مجلس الأمن الدولي - ليكون الثامن بشأن إيران - لفك الخناق المالي المفروض عليها حول العالم.
بيد أن المخاطرة التي تواجهها طهران في هذه الحالة تتركز حول أن إدارة ترمب، الحريصة كل الحرص على تجنب وصمها بأنها امتداد لكارثة أوباما وبايدن، قد تسعى لاستصدار قرار بموجب «الفصل السابع» من ميثاق الأمم المتحدة، الأمر الذي من شأنه أن يعرض إيران لعمل عسكري بتفويض الأمم المتحدة، حال انتهاكها للاتفاق. ولهذا السبب تحديداً يتحدث فانس عن قرار «إلزامي»، وليس مجرد قرار توصية عادي. وفي مثل هذه الحالة، قد تستخدم الصين أو روسيا أو كلتاهما حق النقض (الفيتو)؛ ما يبدد غيمة السلام التي يروج لها ترمب و«الأخيار» الوهميون داخل طهران.
ويظن المرء أن لدى ترمب خطة ميكافيلية لإجبار طهران على الالتزام بما تطالب به واشنطن بشكل أكبر مما فعلت عام 2015، مع عدم منحها أي فرصة للمراوغة من دون مواجهة حرب أخرى تكون هذه المرة بغطاء أممي.
والآن، دعونا نفترض جدلاً أن الثنائي «ترمب - فانس» يريد حقاً إنقاذ الجمهورية الإسلامية من عواقب نصف قرن من إثارة المشكلات، وانعدام الكفاءة، والجرائم... ومساعدتها في الحصول على 300 مليار دولار، فالسؤال المطروح هنا: من أين ستأتي هذه الأموال؟
من جهتهم، لم يستثمر جيران إيران من العرب، بمن فيهم القطريون والعُمانيون، فلساً واحداً هناك، عندما كانت الأجواء هادئة. وأيضاً تركيا، وأكثر من 50 شركة فرنسية، بما في ذلك «توتال» و«بيجو»، وعشرات الشركات من ألمانيا وكوريا الجنوبية وماليزيا والسويد، وحتى روسيا، لم تتمكن من الاستثمار في الاقتصاد الإيراني.
عام 2004 خطط بنك «إتش إس بي سي» البريطاني لفتح فرع له في طهران، لكنه تراجع عن الفكرة عندما تبين له أن «الحرس الثوري» يريد استخدام البنك لتهريب الأموال إلى «حزب الله» وأذرعه السياسية الأخرى في العراق وسوريا.
في واقع الأمر، لا تحتاج إيران إلى المال؛ فمنذ عام 1979 جنت طهران أكثر من 1.2 تريليون دولار من صادرات النفط وغيرها، لكنها بددتها على مشاريع عديمة الجدوى، مثل المشروع النووي الذي لم ينتج واطاً واحداً من الكهرباء، وبناء 12.000 كيلومتر من الأنفاق - مساحة أكبر من دولة قطر بأكملها - لإخفاء الصواريخ والطائرات المسيّرة، فضلاً عن تمويل «حماس» و«الوكلاء» الآخرين، وارتكاب المجازر بحق السوريين، وتأسيس خلايا لـ«حزب الله» في أوروبا والولايات المتحدة وكندا وأميركا اللاتينية.
الحقيقة أن حل «المشكلة الإيرانية» ليس في المال، بل في الحكم الرشيد. وهذا يتطلب تغييراً حقيقياً للنظام يتجاوز بكثير ما يتظاهر ترمب بأنه قد حدث بالفعل.
