عثمان ميرغني
كاتب وصحافيّ سوداني، نائب رئيس التحرير السابق لصحيفة «الشرق الأوسط». عمل في عدد من الصحف والمجلات العربية في لندن. متخصص في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية ومهتم بقضايا الاقتصاد العالمي والمناخ والبيئة.
TT

كيف تتحول جرائم فردية إلى وقود للكراهية؟

استمع إلى المقالة

لم يكن غريباً، وإن كان مستهجناً، أن تندلع أعمال شغب وعنف في العاصمة الآيرلندية الشمالية بلفاست مساء أول من أمس، في ظل أجواء التأجيج التي أعقبت جريمة ارتكبها لاجئ حاصل على حق الإقامة. فبريطانيا تشهد منذ فترة أجواء مشحونة بسبب الجدل المتزايد حول قضية الهجرة، والاستغلال السياسي لها من بعض الأطراف السياسية.

الواقعة التي كانت وراء أحداث الشغب تتعلق برجل ثلاثيني ذُكر أنه سوداني اسمه الهادي العبيد، هاجم رجلاً أربعينياً يدعى ستيفن أوغليفي، في الشارع وحاول قتله بسكين لو لم يتدخل بعض المارة لإنقاذه. في ظروف أخرى كان يمكن التعامل معها كجريمة مثل غيرها من الجرائم الفادحة التي يمكن أن تحدث في أي مكان، وتُحال إلى المحاكم للنظر فيها وإصدار العقوبة على الجاني متى ما أُثبت عليه الجرم.

لكن جريمة بلفاست لم تمر هكذا؛ لأسباب عدة، على رأسها أجواء التأجيج والشحن حول قضايا الهجرة التي أصبحت ملفاً ساخناً في الصراع السياسي لا سيما مع صعود أصوات اليمين المتطرف الذي يحاول استغلال هذا الملف بإثارة المخاوف، بل والكراهية. في هذه الأجواء وجد المُؤججون ضالتهم، فالجاني لاجئ وصل في فبراير (شباط) 2023 ومُنح حق الإقامة خمس سنوات، وبسبب الجريمة التي ارتكبها يمكن استخدام الأمر لصب الزيت على نيران الجدل المحتدم حول الهجرة، وتأجيج الكلام حول أنها تهدد المجتمع البريطاني، وذلك بتسليط الضوء على ممارسات وتجاوزات قلة منهم ترتكب جرائم ولا تحترم القانون، أو مجموعات أخرى تعيش على الضمان الاجتماعي والإيحاء بأنهم عالة على الدولة.

هناك سبب يدفع عدداً من السياسيين إلى استغلال موضوع الهجرة كلما تصاعد القلق العام. فقلَّما تثير قضايا أخرى مشاعر أقوى تتيح فرصاً للاستعراض السياسي الذي كثيراً ما يصاحب الجدل والمبارزات السياسية حول هذا الملف.

من هذا المنطلق يمكن النظر إلى كلام السياسي البريطاني روبرت جينريك عن أن حزب «إصلاح- المملكة المتحدة» الذي ينتمي إليه سيسعى لفرض حظر على تأشيرات الدخول لكل القادمين من السودان.

في صميم حجته تكمن فكرة بسيطة: لأن أفراداً سودانيين ارتكبوا جرائم في بريطانيا، يجب على بريطانيا أن تتوقف تماماً عن إصدار تأشيرات للسودانيين. هكذا تُستخدم جرائم فردية في التعميم المخلّ لدمغ شعب بأكمله، وللمطالبة بإجراءات تدخل في تصنيف العقوبة الجماعية.

هناك خلل أخلاقي وقانوني كبير في هذا الموقف. ففي أنظمة العدالة يُحاسب الأفراد على أفعالهم ولا تسري عقوبتهم على آخرين لمجرد أنهم من الجنسية ذاتها. فلا يستقيم أن يطالب شخص مثلاً بسجن أقارب المجرمين، أو معاقبة وتجريم مجتمعات بأكملها لأن فرداً واحداً ارتكب جرماً. فما ذنب طبيب سوداني يسعى للعمل في قطاع الصحة البريطاني، أو طالب يريد الالتحاق بجامعة بريطانية، أو شخص يريد زيارة أقاربه في المملكة المتحدة؟ هل يُعامَل كل هؤلاء بوصفهم مصادر تهديد محتملة بسبب جرائم ارتكبها أشخاص لا يعرفونهم، ولم يلتقوهم من قبل، ولا سلطة لهم عليهم أو على تصرفاتهم؟

معظم البريطانيين يرفضون مثل هذا المنطق، لأنه ظالم، ولأنه يعني عقوبة جماعية على جرائم فردية. وحتى للمترددين، فإن الصورة ستصبح أوضح لو قال شخص مثلاً إن هناك بريطانيين يرتكبون جرائم في الخارج، أو أن بعض مشجعي كرة القدم الإنجليزية اكتسبوا سمعة دولية في الشغب والعنف، وبالتالي يصبح ذلك مبرراً لدعوات بمنع كل الزوار البريطانيين. المنطق معوجّ ويبقى كذلك بغض النظر عن الجنسيات.

هناك فرق جوهري بين استهداف المجرمين واستهداف الجنسيات. هذا الفرق غالباً ما تطمسه السياسات الشعبوية وطروحات حركات اليمين المتطرف. الصيغة مألوفة: خذ جريمة صادمة، وسلِّط الضوء على جنسية الجاني، واستخدمها للإيحاء بأن مجموعة عرقية أو دينية بأكملها، أو من جنسية معينة تمثل كلها تهديداً ينبغي اتخاذ إجراء يعمم الجرم أو يبرر العقوبة الجماعية. إنها استراتيجية تلعب على استثارة غرائز الخوف أو التعصب للتكسب السياسي.

الخطر أنها تشجع الناس على الحكم على ملايين البشر بناءً على أفعال قلة محدودة. والنتيجة أنها تزعزع الاستقرار والسلم المجتمعي، وتنفخ في مشاعر الكراهية والتحريض.

بريطانيا من حقها أن تسيطر على حدودها. ومن حقها أن تطلب ممن يأتون إليها احترام قوانينها. لكن ينبغي أن تبقى دائماً، كما كانت، دولة تقيّم الفرد بأعماله، ولا تنظر إليه بمنظار نمطية تأطير جماعي، مثلما تحاول أن تعمل بعض الجهات السياسية.

عندما يقول سياسي، أو يتبنى حزب موقفاً يدعو لحظر دخول كل طالب، وممرضة، وأكاديمي، ورجل أعمال، أو لاجئ من جنسية معينة وبلد بأكمله، بسبب جريمة فرد أو أفراد، فهذه ليست عدالة، ولا هي سياسة مقبولة. إنها ببساطة تجريم وعقاب جماعي تحت غطاء سياسة هجرة. والتاريخ يقدم أكثر من أمثلة كافية على أين يمكن أن يقود هذا النوع من التفكير.