الكلام سهل عن وجوب قبول النقد والرأي الآخر حتى لو كان جارحاً ساخراً مسرفاً.
الكلام سهل ما لم تكن أنت أو من تمثل من مجموعة بشرية هدفاً لهذه «السهام»؛ ولذلك فإن النكتة السياسية كانت دوماً نقطة اشتعال بل ربما جلبت على أصحابها أنواع المصائب، ومن يقرأ سير الساخرين مثل «الولد الشقي» محمود السعدني، أو الراحل الجميل علي سالم، فسيجد المثير والكثير من عواقب هذه النكت لمّا «يتسحب الواحد من لسانه»!
لكن في أميركا هناك مقاربة أخرى لثقافة النكتة السياسية قديمة قدم نشأة الاتحاد الأميركي نفسه، منذ رسمات الكاريكاتير في الصحف حتى مؤدي فقرات «ستاند أب كوميدي» التي يغلب عليها السخرية السياسية والثقافية دون حدود تقريباً.
وأيضاً برامج السخرية السياسية هي منتج أميركي له جمهوره داخل وخارج أميركا، والملاحظ هو غلبة التيار الليبرالي على هذه الفنون.
مؤخراً طالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، محطة «إيه بي سي» بصرف مقدّم البرامج جيمي كيميل فوراً، متهماً إياه بإطلاق «دعوة حقيرة إلى العنف»، من خلال دعابة تناولت السيدة الأولى ميلانيا.
كيميل، وقبل يومين من محاولة الاغتيال لترمب في حفلة عشاء السبت، قدم فقرة ساخرة، ومن أبرز ما قاله كيميل إن السيدة الأولى «متألقة كأرملة مستقبلية».
السيدة الأولى عبر منصة «إكس» هاجمت كيميل، ووصفته بأنه صاحب «خطاب كراهية وعنف». و«جبان». وحضّت «إيه بي سي» على اتخاذ إجراءات بحقه.
كما أن كيميل أثار في سبتمبر (أيلول) غضب الجمهوريين في تعليقاته المستهترة باغتيال الناشط الجمهوري الترمبي تشارلي كيرك، لأغراض سياسية.
«إيه بي سي» حينها علقت برنامجه لمدة أسبوع فقط و«يا فرحة ما تمت»... بالنسبة لترمب وأنصاره.
منذ عهد بوش الابن انفجرت ظاهرة السخرية التلفزيونية من الرئيس الجمهوري وصارت السخرية السياسية وجبة يومية، ومن نجوم تلك المرحلة ديفيد ليترمان ومن بعده جون ستيورات.
جاء في تقرير مفيد بقلم جنان جمعاوي بجريدة البيان نقلاً عن الأستاذ الجامعي المتخصص في علوم الإنسان إليوت أورينغ، أن النكتة السياسية هي وسيلة فعالة في سوق السياسة، ولكن قد تكون: «النكتة مكلفة»، ذاكراً كيف تم إعدام ثيوكريتوس دوشيوس عندما قيل له إن الملك أنتيغونوس (382 - 301) قبل الميلاد، سيعفو عنه إن «هو وقف أمام ناظريه». ولعلمه بأن الملك نصف ضرير، أجاب: «إذن، العفو مستحيل».
أستاذ علوم الإنسان في جامعة «أوكلاند» الأميركية براين كونيري يشرح «الثقافة» الأميركية حيال النكتة السياسية بالقول: «في مجتمعنا (الأميركي) تبدي الإدارة تسامحاً إزاء التهكم. وهي بهذا التكتيك تحمي نفسها ممن قد يرى في استيائها المحتمل اعترافاً بالخطأ الذي تنتقده النكتة، ولهذا لا تؤتي النكتة أكلها... إلا شعبياً، بأن تنتشر من دون أن تغيّر شيئاً في السياسة».
لقد أودت النكتة السياسية وأدبيات الهجاء السياسي بجملة كثيرة من النجوم في عالمنا العربي مثل؛ الشيخ إمام ورفيق دربه (الفاجومي) أحمد فؤاد نجم، لكن لم تكن خسارة أحد بقدر خسارة رسام الكاريكاتير الفنان الفلسطيني ناجي العلي الذي اغتيل بلندن عام 1987.
مرة ثانية نقول إنه من اليسير التشدق بالمثالية والقول إن النكتة السياسية جميلة ولطيفة، وإن حرية النقد رائعة - والمشكلة أن هذا صحيح بمواصفات ما - لكن إذا كنت أنت الهدف فستنسى كل هذا الكلام اللطيف وتتحول إلى جريح غاضب.
قالت العرب في أمثالها: رُبَّ كلمةٍ تقول لصاحبها دعني!
