زيد بن كمي
نائب المدير العام لقناتي «العربية» و«الحدث». تولى منصب نائب رئيس تحرير «الشرق الأوسط» التي عمل بها لنحو 20 عاماً. وعمل محاضراً غير متفرغ للإعلام في جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض. وهو حاصل على بكالوريوس الصحافة من جامعة الملك سعود والماجستير من جامعة كيل البريطانية.
TT

سلوك إيران ونصوص النظام

استمع إلى المقالة

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساء أول من أمس تمديد الهدنة مع إيران وفتح المجال أمام الوسيط الباكستاني حتى يقدم مقترح إيران، وانتهاء المناقشات، سواءً بالموافقة أو الرفض، وأبقى ترمب الجيش الأميركي محاصِراً للموانئ الإيرانية.

إيران ما زالت تراوح بتصريحات تصعيدية متناقضة عبر بعض مسؤوليها، فمثلاً وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، صرح قائلاًَ إن الحصار «عمل حربي، وبالتالي انتهاك لوقف إطلاق النار»، فيما قال مهدي محمدي، مستشار رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، إن «استمرار الحصار لا يختلف عن القصف الجوي، ويجب الرد عليه عسكرياً»، وبعد ساعات من هذا التصريح، نقلت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، عن مسؤول في البرلمان قوله: «إن لقاليباف، بصفته رئيساً للبرلمان، مستشارين في المجالات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ويستفيد من آرائهم بشكل دائم، إلا أن آراء هؤلاء المستشارين لا تعني بالضرورة أنها تمثل موقف قاليباف الرسمي»، وقبل ذلك قالت فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، إن «طهران لا تسعى للاستسلام، لكنها مستعدة لمفاوضات بشرط الاحترام».

ويتضح أن إيران اليوم لا تُدار كنظام تقليدي بمركز واحد واضح، بل عبر مراكز قوة متداخلة، يتقدمها «الحرس الثوري»، الذي تحول من جهاز عسكري إلى لاعب حاسم سياسياً وأمنياً واقتصادياً، وهذا التعدد في الرؤوس لا يعني تعدد الاتجاهات، بل هو وحدة في العقيدة واختلاف في الأسلوب.

هذه العقيدة التي وضع الخميني نصها الدستوري بعد ثورة 1979، لا تنظم العلاقة بين الدولة والمجتمع، بل تتجاوز حدود الدولة عبر ما يسمى «تصدير الثورة»، وتلك النصوص ليست تفصيلاً ثانوياً، بل تعبير مباشر عن طبيعة المشروع، فحين يُدرج «استمرار الثورة في الداخل والخارج» كجزء من الإطار، يصبح التمدد هدفاً وغاية، وحين تُربط السياسة الخارجية بـ«تصدير الثورة» ودعم الحركات المرتبطة بها، يتحول النفوذ الإقليمي إلى التزام مؤسسي، لا مجرد أداة في وقت الحاجة أو الضرورة.

وكما أشار الأستاذ عبد الرحمن الراشد في مقاله المنشور في هذه الصحيفة -حمل عنوان «من وقف للحرب إلى نهاية المحور؟»- فإن المواجهات الأخيرة وضعت إيران أمام اختبار غير مسبوق، وإن المعركة ليست صراعاً على التوازن أو النفوذ في سوريا أو لبنان، إنما كانت حرباً وجودية، وكان النظام يصارع من أجل البقاء، وإن القيادات الإيرانية، في ظل غياب المرشد مجتبى خامنئي، كانت تنشد ضمانات للحفاظ على النظام في وقت التغيير الاستراتيجي.

لذلك فإن تعدد مراكز القرار داخل إيران، وعلى رأسها «الحرس الثوري»، لا يُنتج توازناً يفتح باب التغيير، بل يعزز ثبات المسار، لأن هذه المراكز جميعها تستند إلى المرجعية نفسها، كون الاختلاف بينها يبقى تكتيكياً، لا يمس الجوهر، قد تختلف في إدارة التوقيت أو مستوى التصعيد، لكنها لا تختلف في الهدف النهائي، خصوصاً أن التجارب السابقة مع النظام الإيراني خلال العقود الخمسة الماضية أظهرت أن التفاوض يستخدم أداةَ إدارة، وليس مدخلاً لتغيير جذري في عقلية النظام، وإن الاتفاقات السابقة كانت محاولة لضبط السلوك لا تغير العقيدة.

ومع هذا كشفت الأحداث الأخيرة عن أنه لم تعد هناك مساحة كبيرة أمام السلوك الإيراني بوصفه مجرد رد فعل، ومع أن النظام يدرك الآن حجم التحول الدولي لكنه لم يحسم خياره، وهناك محاولة لتخفيف الضغوط عبر التهدئة والتفاوض، يقابلها تمسك واضح بالبنية الفكرية والمؤسسية التي أنتجت الأزمة. هذا التناقض يعكس صراعاً داخلياً بين ضرورات البقاء ومتطلبات العقيدة، لكنه حتى الآن لم يُحسم لصالح تغيير حقيقي.

السؤال لم يعد يتعلق بما إذا كانت إيران ستقبل التفاوض وتغير من سلوكها، بل بمن يملك القدرة على إعادة تعريف هذا المسار والسلوك. ما دامت موازين القوة داخل النظام الإيراني ما زالت ترتكز إلى عقيدة توسعية، تبقى احتمالات التحول محدودة لكنها واردة.

في المحصلة، لا يمكن فصل السلوك الإيراني عن نصوص المؤسسة، وأي حديث عن تحول حقيقي في إيران يظل مرتبطاً بسؤال واحد: هل هناك استعداد من القيادات الإيرانية لمراجعة النصوص أو تعديلها؟ لأنه ما لم تتغير العقلية والنص لن يتغير السلوك.