من يراجع التَّصريحاتِ السياسيّة المبعثرة والأصواتَ الإعلاميّةَ المتناثرة يقع على ما يمكن أن نسمّيَه ملامحَ مشروعٍ وسطيّ بين أقصيين: «حزب الله» ومقاومته من جهة، والمفاوضات مع إسرائيل المسبوقة بنزع سلاح «الحزب» من جهة أخرى. أمَّا «الحوار الوطنيّ» بين الطرفين الأقصيين فربَّما كان التعبير العمليّ الأبرز عن التوجّه هذا.
وأغلب الظَّنّ أنَّ عواملَ عدّةً تقف، كلّها أو بعضها، وراء تطلّع كهذا.
فهناك، أوّلاً، التقليدُ التسوويّ اللبنانيّ حيث تقول اللازمة الشهيرة إنَّ ما من شيء يُحَلّ بغير الحوار والتوافق. وفي التاريخ الحديث محطّات كبرى تصف اشتغال هذا التقليد، كاستقلال 1943 وتسوية الـ»لا غالب ولا مغلوب» في 1958.
وهناك، ثانياً، الخوف المشروع من الحرب الأهليّة التي قد تنجم عن نزع سلاح الحزب وعن مفاوضة الإسرائيليّين، وهما أمران تواجههما شريحة عريضة من اللبنانيّين بأمرّ العداء.
وأخيراً، هناك أفكار ومواقف ومواضٍ شخصيّة تحضّ على كراهية الإسرائيليّين ورفض أيّ تصالح معهم، الأمر الذي أجّجته الأفعال الإباديّة وشبه الإباديّة الأخيرة في غزّة ولبنان.
بهذا يستأنف دعاة «الوسط» نهجاً سبق أن عبّرت عن مثله جلسات «الحوار الوطنيّ» ومشاريع «الاستراتيجيّة الدفاعيّة» وباقي التجارب الممالئة لـ «حزب الله».
بيد أنّ الجديد اليوم أنّ ما قد يجري بين اللبنانيّين لا يُلزم أحداً سواهم، وهو خصوصاً لا يُلزم الطرفين اللذين يملكان القرار، أي أميركا وإسرائيل. فهما غير معنيّين بهذا، وقد يُدفَعان بفعل «حوارنا» إلى مزيد من التشدّد حيال المطالب اللبنانيّة التي لن تُستجاب إلاّ إذا نُزع سلاح «حزب الله».
وما دام الانسحاب الإسرائيليّ في رأس المطالب اللبنانيّة، فيما الدولة اللبنانيّة عاجزة بذاتها عن إنجازه، بات التكيّف مع الإرادات الفاعلة أمراً لا مهرب منه، بغضّ النظر عن كونه عملاً مكروهاً أو محبوباً. ويُستبعَد، بالمعنى هذا، أن يتقبّل أصحاب تلك الإرادات تحويل التعامل مع نزع سلاح «الحزب» بوصفه مسألة مديدة ومعقّدة تنطوي على أخذ وردّ كثيرين.
والحال أنَّ من الصعب العثور على سوابق تفيد الحالة الراهنة. ففي 1943 و1958 كانت القوى الداخليّة مطالَبة بالتخفّف من اندفاعتها الخارجيّة أو بضبطها على إيقاع الصيغة الوطنيّة الناشئة. وبدورها كانت القوى المؤثّرة تريد للكيان اللبنانيّ أن ينشأ. هذه، في 1943، كانت حال النفوذ الإنكليزيّ – الأميركيّ الصاعد مع نهاية الحرب العالميّة الثانية، وكذلك حال مصر والعراق المؤثّرين يومذاك، واللذين تربطهما علاقات جيّدة بلندن وواشنطن. أمّا «الكتلة الوطنيّة» السوريّة فكانت، منذ أواخر الثلاثينات، قد بدأت تتفهّم القبول الواقعيّ بكيان لبنانيّ مستقلّ. ولاحقاً، في 1958، عملت ظروف الحرب الباردة والاكتفاء الناصريّ بتحسين الموقع الذاتيّ حيال الولايات المتّحدة على الإتيان بفؤاد شهاب وعهده.
واليوم، مع «حزب الله»، هناك حالة التحاق غير مسبوق بطرف خارجيّ هو إيران، طرفٍ يُشَكّ كثيراً في رغبته بإنهاض لبنان. وهذا معطوف على حقيقة أنّ ما أنزله «الحزب» بخصومه، وبلبنان ككلّ، غير مسبوق في تجارب الماضي. فهو تربّع لعقود في سدّة حرب أهليّة ضامرة حُجّمت فيها الدولة وساد القتل والاغتيال ودُشّنت الحروب الخارجيّة ودُمّر الاقتصاد الوطنيّ وقُطّعت جسور لبنان مع العالم، فضلاً عن جرّ اللبنانيّين، مرّة بعد مرّة، إلى حروب مدمّرة.
وحتّى اليوم لا توجد إشارة واحدة يتيمة على أنّ «الحزب» ينوي التخلّي عن سلاحه، أو أنّ إيران تحضّه على ذلك. فكلّ ما يأتي من تلك الجهة تهديد ووعيد وتخوين للدولة ورموزها وتذكير بمصير أنور السادات ورفيق الحريري وتحايُل على نتائج العمليات العسكريّة وإنكار لواقع الاحتلال وما يرتّبه من نتائج. فوق هذا، بات الحزب محظوراً، أمنيّاً وعسكريّاً، من وجهة نظر الدولة نفسها.
وهذا إنّما يُضعف فرضيّة العمل لاستئناف ما كان قائماً، ويغلّب وجهة النظر القائلة إنّ ثمّة مرحلة انتهت، وإنّ على مرحلة أخرى أن تبدأ.
فالوضع الرديء، الممتدّ لعقود، أنتج شريحة أكبر من شريحة المتمسّكين بالسلاح، لا تريد لبنان وصيغته أصلاً إذا كانا مصحوبين بالسلاح غير الشرعيّ. وهؤلاء لا يكتمون شعورهم بأنّهم أكثر استحقاقاً للمراعاة، أقلّه بسبب تحمّلهم ظلم الحزب المديد وامتناعهم عن حمل السلاح.
والوضع الاستقطابيّ هذا ليس رائعاً بالطبع، وليس سبباً للتباهي بقوّة الإسرائيليّين والأميركيّين، بل قد يكون سبباً لرثاء الحالة التي أوصلنا إليها «حزب الله» والتي لا ينبغي أن يُكافأ عليها. ووراء واقع كهذا تقيم المشكلة الأمّ، التي تتعاظم وطأتها، وهي أنّ لبنان نفسه يفقد، على نحو متسارع، مواصفات الاستمرار كبلد واحد جامع.
فإذا كان هناك من عنصر قادر على تعديل هذه الصورة الكئيبة، فهو ظهور صحوة شيعيّة ينيطها البعض برئيس المجلس النيابي نبيه برّي، وينيطها آخرون بتحوّل في المزاج الشعبيّ يدفع باتّجاهه أفراد شجعان من الشيعة المعارضين لـ «الحزب»، وهذا علماً بضعف الإشارات الواعدة حتّى الآن.
أمّا الوسطيّة، في وضع استقطابيّ كهذا، فيُحيلها الوضعان الداخليّ والخارجيّ لزوم ما لا يلزم.
