مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

حرب «الميمز» الإيرانية

استمع إلى المقالة

في كثيرٍ من الأحيان، الحقيقة المُجرّدة ليست هي المُهمّة، بل الصورة والانطباع الذي يصل إليك، هذا قبل عصر الكذب والزيف الكبير، في سوق الشائعات «السوشيال ميديا» فكيف يكون الحال معه إذن؟

تزييف مقاطع الفيديو والصوتيات والصور، فضلاً عن النصوص المصنوعة بمكرٍ، وليس بحبّ كما يقول الطُهاة عادةً، صارت أداة جوهرية من أدوات الصراع والسيطرة.

وهو سلاحٌ تُخصّص له الدول والأحزاب والجماعات الميزانيات والكوادر البشرية للعمل على صناعة الصورة وبناء الرواية وترويجها.

من تغلبُ روايتُه روايةَ الآخر يصبح هو المنتصر في جبهة الإعلام، وجبهة الإعلام من أعظم جبهات الحروب كما تعلمون.

الحرب الحالية -من وفي وعلى- إيران مثالٌ ساطع على هذه المسألة.

بعيداً عن الحسابات الدقيقة والمُجردة عن أرقام الخسائر البشرية والعسكرية والاقتصادية والسياسية التي وقعت على كاهل النظام في إيران، ولعل من أعظمها الخسارة «الرمزية» المتمثلة في قتل رأس النظام وقلبه، المرشد علي خامنئي، إلا أن القوم يرون أنهم يسيرون على مركب النصر ويمتطون صهوات الظفر، هكذا يقول إعلامهم ومن يواليه.

نعم أميركا يمكن قياس خسارتها، في هذه الحرب، من ناحية أزمة الطاقة والاقتصاد الحادّة، ومعها بقية العالم «العادي» لسبب سهل، وهو أنها مجتمعات منفتحة، وليست أنظمة مظلمة مغلقة تحتكر الرواية، بل إن نظام إيران قطع الإنترنت عن شعبه منذ أكثر من 40 يوماً، حتى الآن، والإنترنت هو شريان التواصل العالمي اليوم.

لكن كيف سيعرف شعب إيران في كل مكان من البلاد إن هذه الحرب التي راح فيها صفوة القادة، ومجمل المصانع العسكرية والأسلحة، وغير ذلك، قد تسببّت في أضرار تقدر بأكثر من 270 مليار دولار، ولم نحسب بعد الخسائر المهولة جرّاء الحصار البحري الأميركي... كيف سيعرف الشعب ذلك والبلد مغلق العينين وفي أذنيه صلصالٌ حشاه بها رجال «الحرس الثوري»؟!

لكن هذا الظلام الرقمي المفروض على الداخل الإيراني يقابله خارجياً نشاطٌ صريح للجيوش الإيرانية الإلكترونية، أو ما يصفونه في عالم السوشيال ميديا بـ«الذباب الرقمي».

إيران -مثل روسيا والصين- استثمرت كثيراً في هذا السلاح لإرباك «العدو»، خصوصاً في الدول الغربية الليبرالية المفتوحة الأبواب والشبابيك.

هناك تقرير نشرته وكالة «أسوشييتد برس» عن حرب «الميمز» الإيرانية ضد الداخل الأميركي وفي فضاء السوشيال ميديا عامّة، لترويج الرواية الإيرانية والسخرية من إدارة ترمب... و«الميمز»، أي الفيديوهات والصور القصيرة الساخرة.

استُخدمت في هذه الحرب العجيبة أساليب بصرية متطورة، بينها رسوم مستوحاة من أفلام مثل «ليغو» ومقاطع موسيقية ساخرة، في عالم يكتفي بلقطة سريعة وصورة مختصرة وفيديو عابر، يتضمن تعليقاً ساخراً مستوحى من البيئة المُستهدفة، من صميم ثقافتها و«بصمتها» الفكاهية.

أي «شغل على كيفك» كما نقول بالعامّية العربية!

لكن كم عمر الكذب؟! هي أسلحة تضليل وإزعاج صحيح، لكن عمرها الافتراضي سريع الفناء.