حوَّلت ثلاثُ سنواتٍ من الحرب السودانَ إلى مأساة إنسانية؛ فقد قُتل عشرات الآلاف، وبات الملايين يعانون الجوع أو التشرد، وتعرَّضت أعداد لا حصر لها من النساء للعنف الجنسي. ومع ذلك، فإن استجابتنا الجماعية لا يزال يعوقها حاجز مهم يتمثل في تردد أطراف من المجتمع الدولي في دعم الوظائف الأساسية للدولة؛ خشية أن يؤدي ذلك إلى شرعنة الوضع الحالي.
وقد يستند هذا التحفُّظ إلى مرجعية من المبادئ، إلا أنَّه في الممارسة العملية قد يُفضي إلى حالة من الشلل؛ فحينما نتجنَّب الانخراط بحجة الحياد، لا تكون النتيجة هي النأي بأنفسنا عن التورط السياسي؛ بل المساهمة في التآكل الصامت للمنظومات المؤسساتية الأساسية التي يعتمد عليها المدنيون من أجل البقاء.
وفي لبّ المشكلة يوجد خلط في مفهوم الدولة؛ حيث يتم عدم التمييز بين طريقة ممارسة السلطة داخل الدولة والدور الأساسي الذي يفترض أن تقوم به الدولة. فالأول يرتبط بالجماعات الحاكمة التي تمسك بزمام السلطة وتحتكر النفوذ وسط صراع على الشرعية، أما الثاني فيشير إلى مؤسسات الدولة الأساسية التي تضمن بقاء سير حياة المجتمع بشكل طبيعي، وتمكِّن الأفراد من التمتع بأدنى حقوقهم. فالمحاكم، وسجلات الأحوال المدنية، ودوائر الشرطة، والمدارس، والمستشفيات، والبنية التحتية للطاقة ليست مجرد تجليات مجردة لسلطة الدولة؛ بل هي الآليات الأساسية التي يؤمِّن الناس من خلالها سلامتهم، ويحفظون حقوقهم وكرامتهم.
وعندما يُحجَب الدعم عن تلك النظم المؤسساتية خشية الوقوع في براثن الانحياز لأي من الأطراف، فإن المدنيين -وليس أصحاب السلطة- هم من يتحملون العواقب؛ إذ يؤدي إضعاف مؤسسات توفير الخدمات الأساسية إلى تآكل سُبل الحماية اليومية التي تُعَدُّ من المُسلَّمات، وتضمن أبسط قواعد حقوق الإنسان في كل مناطق العالم الأخرى. ولا تدع الجغرافيا السياسية للسودان اليوم مجالاً لتجاهل مثل هذا التحدي؛ فالبلاد لا تُحكَم بشكل موحد.
في مثل هذه البيئة، لا تعمل الدولة بإيقاع منتظم، ولكنها لا تختفي تماماً. فرغم الضغوط القوية، ما زالت مكونات البنية المؤسساتية في السودان صامدة وتؤدي أدوارها، وإن كانت متضررة بشكل كبير؛ إذ يواصل الموظفون الحكوميون عملهم حتى عبر خطوط التماس، وتستمر السلطات المركزية في صرف الرواتب، بما في ذلك للعاملين في مناطق لا تخضع لسيطرتها. كما يواصل المعلمون أداء مهامهم التعليمية، ويستمر العاملون في القطاع الصحي في تقديم الرعاية، رغم الظروف القاسية التي تكاد تكون مستحيلة.
ولقد ساهم هذا الاستمرار الوظيفي الاعتيادي في الحيلولة دون حدوث تفكك مؤسسي شامل، وحافظ على شعورٍ بالوحدة الوطنية، وإن كان هشاً. والتقاعس عن دعم ذلك الدور الوظيفي لمؤسسات الدولة السودانية من شأنه أن يقوِّض ما بقي من هذا التماسك الهش للمجتمع، وينذر بمزيد من الانهيار.
فاليوم يوجَّه النذر اليسير المتوفر من أشكال الدعم الدولي نحو وظائف حكومية معينة، بينما تُستبعد وظائف أخرى؛ إذ قد تحظى وزارتا الصحة والتعليم بالدعم، في حين تُعتبر مؤسساتٌ أخرى -كوزارة العدل- بالغة الحساسية من الناحية السياسية. وهذا يطرح تساؤلاً لا مفر منه: مَن يقرر الخدمات العامة التي يحق للمدنيين الحصول عليها؟ وعلى أي أساسٍ يتم هذا الاختيار؟ وماذا يعني ذلك على أرض الواقع؟
فالأم تحتاج إلى الرعاية الصحية لأطفالها، كما تحتاج إلى وجود أمني فعال لتشعر بالأمان أثناء اصطحابهم إلى العيادة ليلاً. كما أن احتياج الأسر النازحة إلى الغذاء والماء لا يقل عن حاجتها لجهات رسمية لتسجيل خسائرها الناجمة عن نهب ممتلكاتها، أو لاستخراج وثائق بديلة تثبت هوية أفرادها، أو لتقديم طلبات الحصول على تعويضات. بالنسبة لكثير من السودانيين، يُعد وجود كاتب محكمة أو مسجل مدني على القدر ذاته من أهمية وجود عيادة صحية أو مدرسة.
لذلك، فإنَّ السماح بتآكل مؤسسات الدولة بحجة الحفاظ على حيادٍ ظاهري يُعدُّ ثمناً باهظاً وغير مقبول. فعندما تُحجب أشكال الدعم باسم هذا الحياد تتدهور مؤسسات الدولة، ويُدفَع المدنيون إلى الاعتماد المتزايد على المساعدات الإنسانية. ورغم أن هذه المساعدات ضرورية ومنقذة للحياة، فإنها لا يمكن أن تعوِّض وجود دولة فاعلة. وإذا تُركت الأنظمة الإدارية لتتفكك بالكامل اليوم، فإن إعادة بنائها لاحقاً ستكون أكثر صعوبة وتكلفة؛ بل وقد تشكل خطراً أكبر على البلد وجواره.
فبغض النظر عن مسار النزاع، المطلوب هو الالتزام باستمرارية الدولة، والحفاظ على المؤسسات المدنية والمهنية والخدمية القائمة التي تخدم عموم البلاد. وتُبيِّن التجربة أنه من الممكن دعم الأنظمة المؤسسية للدولة، والمسؤولة عن تقديم الخدمات الأساسية، بطرق لا تُؤيد أي طرف من أطراف النزاع، ولا تُسيِّس الوصول للخدمات، ولا تسمح بتحويل الموارد إلى الأطراف المتنازعة.
وتملك الأمم المتحدة خبرة تمتد لعقود في دفع أهداف التنمية قُدماً داخل بيئات النزاعات؛ حيث تتنازع الأطراف شرعية الحكم وتتفتت السلطة. وفي مثل هذه الظروف، لا تكون مواجهة مخاطر إساءة استخدام الموارد أو تحويلها عن وجهتها بالانسحاب أو وقف الدعم؛ بل باليقظة الدقيقة والمتابعة الصارمة.
ومن هذا المنطلق، نعتمد -ضمن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي- نهج «الانخراط الذكي» الذي يقوم على ضبط محكم لعمليات الشراء وتوزيع الموارد، وعلى آليات دقيقة ومفصَّلة للتدقيق والرقابة، وضمانات مؤسساتية منتظمة تضمن وصول الدعم إلى المهنيين والمؤسسات المقصودة، لا إلى القوى السياسية المتنازعة.
الأزمة في السودان حادة للغاية، غير أنها ليست فريدة من نوعها؛ فالسودان لا يمثل مجرد حالة طوارئ إنسانية فحسب؛ بل يُعدُّ أيضاً اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المجتمع الدولي على دعم وجود الدولة، في ظل وضعٍ تكون فيه السلطة محل نزاع.
لقد دفع المدنيون في السودان ثمناً باهظاً لا يقبله ضمير؛ وأقل ما ندين به لهم هو دعم وظائف الدولة التي تجعل استمرار الحياة ممكناً، والتي من شأنها الحفاظ على شكلٍ ما من أشكال العقد الاجتماعي ما دام هذا العقد قائماً، وضمان أنه حين يحل السلام، سيتبقى ما يمكن البناء عليه من جديد.
* مدير المكتب الإقليمي للدول العربية
في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي
