حين أطلق مارشال ماكلوهان مفهومه الشهير عن «القرية الكونية»، في مطلع ستينات القرن الفائت، كان يرى في وسائل الاتصال الحديثة، آنذاك، ما يشبه الجهاز العصبي المركزي للإنسانية جمعاء، شبكة ستمتد خيوطها بين القارات، لتجعل العالم أكثر تواصلاً وإدراكاً مشتركاً من أي قرية ريفية صغيرة عرفها التاريخ.
كان الوعد مُبهجاً وطاغياً في إغرائه؛ يتحدث عن إنسانية واحدة تتنفس في فضاء رمزي مشترك، يتشارك أفرادها الصور والأفكار والانفعالات في آن واحد، كما يتشارك أبناء القرية الواحدة أخبار ما جرى عند النهر صبيحة يوم ما. غير أن التاريخ، كما اعتاد في كثير من الأحيان، لم يلتزم بالنبوءات التي حاولت تطويعه وتأطير مساراته.
ذلك الحلم البسيط لم يتحطم دفعةً واحدة، بل تشقق ببطء، كجدار يتصدع على مدى سنوات قبل أن يسقط. فمع تسارع الثورة الرقمية وانفتاح الفضاء الإلكتروني لملايين المستخدمين، لم تتوسّع القرية لتستوعب الجميع، بل انفجرت إلى أرخبيل من الجزر المتناثرة التي تتجاور من دون أن تتلاقى، وتتواصل دون أن تفهم إحداها الأخرى.
لم تعد هناك ساحة عامة واحدة تجمع الناس في الهواء الطلق، بل صارت لكل جماعة حجرتها المُغلقة، ولكل حجرة مرآتها التي لا تعكس إلا وجوه أصحابها. وهكذا باتت المشكلة لا تكمن في شُح الإفادات، بل في تنوّعها وتصادمها وتشظّيها الوفير، الذي يُعيد تشكيل الوعي في قوالب متباعدة لا تلتقي.
لا يمكن فهم هذا التحول دون النظر في ديناميات الخوارزمية، التي باتت تحكم توزيع المعرفة، وتحدد ما يرى كل امرئ وما يُحجب عنه. فهذه الخوارزميات ليست أدوات محايدة تنقل المعلومة من مكان إلى آخر، بل هي محرّكات اجتماعية بامتياز، تعمل وفق منطق الاستحسان والاستمرار. إذ تغذي المتلقي بما يميل إليه مرة بعد مرة، حتى تغدو الفقاعة السردية التي يعيش فيها سميكة كجدار وصلبة كحقيقة. والمفارقة أن هذه الفقاعة لا تُفرض بالقوة ولا تُسوَّر بسياج، بل تُبنى طوعاً ومحبة، حين يختار الإنسان ما يريح عقله ويؤكد قناعاته ويردد عليه ما يؤمن به مشفوعاً بـ«أدلة» جديدة.
من هذه البنية الخوارزمية نشأت ما باتت الدراسات الإعلامية تسميها «مجتمعات الاعتقاد»، وهي جماعات معرفية مغلقة لا تشترك مع جيرانها في الفضاء الرقمي في مرجعية واحدة ولا في نسق معرفي واحد. ومثلما كانت القبائل القديمة تحمل أساطيرها وترويها لأبنائها جيلاً عن جيل، تحمل هذه الجماعات رواياتها عن العالم، وتعيد إنتاجها يومياً، في تدفق متواصل من المنشورات والتعليقات والمشاركات. وحتى إذا تم غض البصر عن التآمر أو التدليس في هذه الدينامية، فستبقى الطبيعة البشرية تزودها بطاقة انحراف متجددة؛ عبر ميلها الواضح إلى البحث عن الألفة ورفض القلق المعرفي.
وتتجلى تبعات هذا التفكك في الحقل السياسي الدولي تجلياً يصعب إغفاله. فحين تشتعل الحروب اليوم، لا تدور معاركها على الأرض فحسب، بل في سماء الروايات المتضاربة التي تصوّر الأحداث ذاتها بصور متناقضة تناقضاً جذرياً، بحيث يحكي كل طرف القصة من منظوره وبلغته، ويُقصي المقاربات المُضادة عن الساحة تماماً.
وقد أسهمت في هذا المشهد ظاهرة تراجع المؤسسات الإعلامية الكبرى، التي كانت تضطلع بدور الوسيط العمومي، تلك الصحف والمنصات الإعلامية، التي رغم مثالبها وانحيازاتها الكبيرة، كانت تصنع مرجعاً مشتركاً، وتنظم سردية مركزية ولو مثيرة للجدل. فمع تآكل الثقة بها، وانحسار جمهورها، وانفتاح أبواب النشر أمام الجميع، تبخّر ذلك الوسيط ولم يُعوَّض بشيء يؤدي وظيفته، وحل محله فضاء هائل من الأصوات المتشابكة، التي لا يجمعها ضابط، ولا تفصل فيها لجنة تحرير، ولا يتحمل أصحابها في الغالب مسؤولية ما يقولونه.
وهكذا تُطرح المسألة الكبرى في عمقها الفلسفي: هل كان وعد «القرية الكونية» وهماً في أصله، أم أن التقنية الرقمية حوّلت أداة كانت قادرة على الجمع، رغم عيوبها الكبيرة، إلى آلة وظيفتها التشتيت؟ ولعل الإجابة الأصدق تقع بين الاحتمالين معاً. فقد كان ماكلوهان مُحقاً في رؤيته أن وسيلة الاتصال هي الرسالة، لكنه لم يستوعب بما يكفي أن التوسع الأفقي لهذه الوسائل سيُنتج درجة هائلة من التعدد غير المدروس وغير المتجانس، وأن الجمهور حين يُمنح حق الاختيار الكامل كثيراً ما يختار «الدفء والراحة» على حساب الحقيقة، ويؤثر المألوف على النقدي والمُغاير والمُزعزع.
ربما لم تمت قرية ماكلوهان بالضرورة، لكنها تشظّت إلى ألف قرية متجاورة تتكلم في وقت واحد دون أن تسمع إحداها الأخرى، وتتصاخب دون أن تتحاور، وتتشارك الاهتمام بقضايا ما، لكن لكل منها منظورها الخاص والصلب وغير القابل للتفاهم أو المراجعة أو النقد.
