مارك مونتغمري
أدميرال متقاعد وزميل في مركز الابتكار السيبراني والتكنولوجي الأميركي خدمة «نيويورك تايمز»
TT

طريق واحد فقط لإنهاء حرب إيران

استمع إلى المقالة

لقد دمّرت الولايات المتحدة وإسرائيل العديد من الأصول العسكرية التي استخدمتها إيران لتهديد الشرق الأوسط على مدى عقود. وأفادت وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) بتنفيذ 15 ألف ضربة خلال الأيام العشرة الأولى، لم تقتصر على تدمير منصات الإطلاق والصواريخ والسفن فحسب، بل شملت أيضاً تسوية بعض مواقع الإنتاج التي كانت تُعيد تزويد ترسانة إيران بالأرض.

وسيكون من الضروري شن الهجمات لمدة لا تقل عن أسبوعين إضافيين لضمان عدم قدرة النظام الإيراني على تشكيل تهديد عسكري جدي لسنوات عدة، إن بقي قائماً أصلاً. إن دفع التهديد القادم من طهران إلى حالة من الخمود سيُعد، بلا شك، انتصاراً عسكرياً، وربما أول انتصار للولايات المتحدة على إيران منذ عام 1979.

ويدور حالياً صراع محتدم بين متطلبات تحقيق النجاح والضغط المالي الهائل الذي تفرضه الحرب على أسواق الطاقة والأسهم. النصر ممكن، لكن بشرط أن تتحمل الولايات المتحدة هذا العبء المالي إلى أن تتمكن من السيطرة على مضيق هرمز وإعادة فتح حركة التجارة.

في الوقت الراهن، تراجعت حركة الملاحة عبر المضيق بنحو 90 في المائة. وتوقفت تقريباً جميع شحنات الغاز الطبيعي المسال. كما ترسو نحو 400 ناقلة نفط عالقة في الخليج العربي غرب المضيق، غير قادرة على المغادرة، فيما يقابلها عدد مماثل من السفن على الجانب الشرقي في خليج عُمان.

وقد ارتفع سعر خام برنت، وهو المعيار المرجعي العالمي لأسعار النفط بأكثر من 50 في المائة خلال الشهر الماضي. وإذا بلغ سعر النفط 150 دولاراً للبرميل، فقد يدفع ذلك الأسواق إلى هبوط حاد. وعندها، من المرجح أن يتصاعد الضغط بشكل كبير على إدارة الرئيس دونالد ترمب لإعادة فتح المضيق.

ولن يكون فتح المضيق مهمة سهلة. إذ تستطيع إيران تهديد الملاحة البحرية باستخدام طائرات مسيّرة، لا سيما طائرات «شاهد» المحمّلة بالمتفجرات، فضلاً عن زوارق هجومية سريعة غير مأهولة. كما تمتلك صواريخ كروز تشكّل خطراً خاصاً، نظراً لأن عرض المضيق لا يتجاوز 21 ميلاً في أضيق نقطة، ما يمنح السفن الحربية الأميركية 30 إلى 40 ثانية فقط لاتخاذ التدابير الدفاعية.

وقد تعرّضت صواريخ إيران وطائراتها المسيّرة وزوارقها الهجومية بالفعل لأضرار جسيمة بفعل الضربات الجوية، ومن المتوقع أن تواصل تلقي ضربات قوية. لذلك، باتت العقبة الأكبر أمام إعادة فتح المضيق تتمثل في الألغام البحرية الإيرانية التي يبلغ حجم بعضها حجم غسالة ملابس، وتقبع بصمت في قاع البحر. وقد أدت الهجمات الأميركية إلى إخراج 16 سفينة إيرانية متخصصة في زرع الألغام من الخدمة، غير أن طهران، على الأرجح، لا تزال تمتلك مئات، وربما آلافاً، من هذه الألغام.

واجهت إدارة الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان تحدياً مماثلاً قبل نحو 40 عاماً، عندما سعت طهران إلى الضغط على دول الخليج لإنهاء دعمها للرئيس العراقي الراحل صدام حسين خلال الحرب العراقية - الإيرانية.

ففي إطار عملية «الإرادة الجادة»، رافقت سفن حربية تابعة للبحرية الأميركية ناقلات نفط كويتية في الخليج العربي لحمايتها من الهجمات الإيرانية. وقد تكللت العملية بالنجاح في نهاية المطاف، رغم أن لغماً أصاب ناقلة نفط كويتية عملاقة في القافلة الأولى في يوليو (تموز) 1987. وفي ربيع العام التالي، كاد لغم يُغرق سفينة حربية أميركية، إذ ألحق أضراراً جسيمة بهيكلها وأصاب نحو 60 بحاراً.

واليوم، يبدو التحدي أكبر، إذ تمتلك إيران ألغاماً أكثر تطوراً مما كانت عليه في ثمانينات القرن الماضي، كما تتجاهل بانتظام القواعد التي يفرضها القانون الدولي لحرب الألغام، مثل وضع علامات واضحة على المناطق الملغّمة. فبعض الألغام يستقر في قاع البحر أو يكون مثبتاً به، بينما يمكن عمل برمجة أخرى لعدّ السفن، بحيث تمر كاسحة ألغام أميركية، ثم تتبعها سفينة أخرى، قبل أن ينفجر اللغم مستهدفاً سفينة ثالثة.

وتشير التقارير إلى أن ترمب متحمس لبدء مرافقة ناقلات النفط عبر المضيق باستخدام سفن البحرية. غير أن الدرس المستفاد من عملية «الإرادة الجادة» يتمثل في ضرورة تجنّب العبور المبكر، أي قبل أن تتمكن القوات الأميركية من إزالة أكبر قدر ممكن من التهديد. فإذا كانت الألغام لا تزال في المياه، فإن إنجاز عملية إزالتها، رغم ما تنطوي عليه من جهد شاق ومخاطر، يظل أمراً ضرورياً.

لقد شاركتُ في عمليات مرافقة قوافل النفط قبل نحو 40 عاماً، وتعلّمت أنه لا وجود لحل سريع، بل إن الأمر يتطلب عملاً منهجياً يستغرق أسابيع، وليس أياماً، من المراقبة المستمرة عبر الأقمار الصناعية، إلى جانب توفير غطاء جوي من الطائرات المقاتلة والمروحيات المسلحة.

وعلى الأرجح، خلال الأسبوعين المقبلين، سيصل عدد كافٍ من المدمرات الأميركية إلى شمال بحر العرب لمرافقة السفن التجارية. وقد يكون من المفيد أن يقدّم الحلفاء سفناً حربية قادرة، لكن ذلك ليس ضرورياً على المدى القصير.

ينبغي على الرئيس ترمب أن يتذكر أن الصين تراقب عن كثب. فإذا كان الضغط في أسواق النفط كافياً لكسر عزيمة الولايات المتحدة ودفع ترمب إلى الانسحاب من الحرب، فمن المرجح أن يستنتج القادة الصينيون أن الالتزامات بالدفاع عن تايوان ليست سوى أقوال بلا أفعال.

وإذا تمكنت الولايات المتحدة من الصمود خلال الأسابيع القليلة المقبلة، فستتمكن من تقويض القدرة الحربية لإيران بشكل كامل. ومن شأن ذلك أن يفتح الباب أمام فترة من الهدوء تمتد لسنوات عدة، وهي نتيجة لم تُحققها العقوبات ولا الدبلوماسية على مدى أكثر من أربعة عقود. وخلال هذه الفترة، قد يتشكّل نظام إقليمي أفضل.

لقد بلغ الرئيس ترمب نقطة حاسمة، إذ لا يمكنه إنهاء الحرب فوراً وفي الوقت نفسه إعلان النصر. فالأمر إما هذا أو ذاك.

* خدمة «نيويورك تايمز» - أدميرال متقاعد وزميل في مركز الابتكار السيبراني والتكنولوجي الأميركي