د. محمد النغيمش
كاتب كويتي متخصص في علوم الإدارة. حاصل على الدكتوراة في القيادة من كلية ساوثهامبتون للأعمال في المملكة المتحدة وماجستير في إدارة الأعمال من جامعة ماستريخت الهولندية. ألف عدداً من الكتب منها "عقلية الإسفنجة".
TT

تطوّر الملاجئ

استمع إلى المقالة

كان البشر يلوذون بالفرار إلى كهوف الجبال خوفاً من الوحوش الضارية، وتقلبات الطقس، وغارات الأعداء. والكهف هو ملاذ طبيعي لمن يخشى الخطر حين يعجز عن مواجهته.

بعد الحرب العالمية، تطور مفهوم الملاجئ بشكل مذهل. ودخل علم الهندسة وغيره في بناء ملاجئ متعددة المستويات والأغراض؛ بعضها يؤوي البشر وبعضها الآخر تُدار منه المعارك، مثل غرفة تشرشل الشهيرة التي ما زال يؤمُّها السياح تحت الأرض، حتى إنها تُظهر تفاصيل كثيرة منها الخدوش على ذراع الكرسي الخشبي لرئيس الوزراء التي تشير إلى حالة القلق التي كانت تعتريه وهو يعبث بخاتمه بطريقة لا إرادية.

ولعلَّ من أبرز التطبيقات الحديثة، ما فعلته سنغافورة، إذ تُلزم القوانين بوجود «ملجأ منزلي» في كل بيت، بجدران سميكة من الخرسانة، ومزوّد بباب فولاذي مقاوم للانفجارات، وذلك لتأمين المنازل وتخفيف نزول الأسر إلى الملاجئ. هذه الفكرة التي قرأتها في تقرير المواصفات الفنية عام 2023، ليتها تطبَّق في أنحاء العالم.

من المفارقة أن سويسرا المحايدة التي تجنَّبت الدخول في الحروب، تتمتع بملاجئ كافية لإيواء جميع سكانها بنسبة 114 في المائة. تليها السويد وفنلندا بنسبة 81 و70 في المائة. ويبدو أن سويسرا ليست ملجأ للأثرياء فحسب، بل ملجأ للجميع في وقت المحن. هي تجربة تستحق الدراسة. أرى أن دول العالم بحاجة إلى إعادة تقييم قوانين الملاجئ وتفعيل آلية دورية لفحصها، وتنظيم إخلاء وهمي ليعتاد الناس على ذلك.

وقد تطورت الملاجئ من ناحية العمق والمرافق، والتهوية، والحماية من الإشعاع، وسهولة إدخال الإمدادات الغذائية وغيرها. فلمَ لا تكون هناك محطات وقود وكهرباء وماء أرضية؟

ومع تطور «الملاذات» الأرضية جاءت مبادرات نوعية، مثل مدارس مؤقتة تحت الأرض، وهناك «بنك حبوب» في أعماق أرض النرويج لحماية الغذاء العالمي. وبعض الملاجئ متصل بعضها ببعض، وأخرى تربط قياديين بمرافق مهمة. فقد كان رئيس الوزراء البريطاني إبان الحرب العالمية يدخل إلى مخبئه في شارع كنغ تشارلي، على مقربة من مقر الإقامة الرئيسي.

في قلب «غرفة الحرب» الأرضية لتشرشل، حيث تُصنع أخطر القرارات، تظهر «دورة مياه» وهمية قيل للجنود إنَّها خاصة برئيس الوزراء غير أن فيها خطاً هاتفياً سرياً يربط تشرشل بالرئيس الأميركي مباشرةً. لم يكن «تواليت» كما كُتب على بابه، بل غرفة اتصالات فائقة السرية، يُدير منها تشرشل حواراته مع الرئيس الأميركي. إذ كانت الحروب تُدار من غرف عمليات ضيقة.

في بعض الدول، لم تعد الملاجئ مجرد غرف إسمنتية، بل تحولت إلى مدن تحت الأرض تضم صالات رياضية، ومحطات مترو، ومراكز تسوق يمكن تحويلها خلال ساعات إلى ملاجئ.

الملاجئ ليست حمايةً من المخاطر فحسب، بل شهادة على أننا رغم كل تقدمنا ما زلنا نخشى المفاجآت الكبرى. ورغم وصول الإنسان إلى سطح القمر، فإنه ما زال يبحث عن حفرة يختبئ فيها. وهذه هي سُنّة البقاء، وذكاء المقاومة. عادةً ما يخرج الناس من الملاجئ أكثر تماسكاً ووعياً.

الملجأ لا يعكس فقط خوف الإنسان بل تطوره عبر الزمن.

أحياناً أتساءل: هل الملاجئ وسيلة للنجاة أم رمزية لانعدام الثقة في هذا العالم المتوحش؟