في قرار جماعة «حزب الله» الزّج بلبنان في الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، رسالة واضحة لكل اللبنانيين: بقاء النظام الإيراني أهم منكم، حتى إن كان الثمن هو إعادة احتلال الجنوب، أو دفع البلاد إلى شفير حرب أهلية جديدة.
كان الحزب أمام خيارين: الأول هو استغلال الحرب لمحاولة تأكيد هويته اللبنانية ومحاولة الحفاظ على مكاسبه السياسية داخلياً، في ظل تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، أو ربط مصيره بالكامل بمصير نظام أجنبي يخوض حرباً وجودية مع أكبر قوة عسكرية في العالم. قد ترى في الخيار الأول سذاجة سياسية، لكنَّه على المدى الطويل قد يبقى أقل خطورة من أن يراك الجميع ميليشيا إيرانية تعمل من لبنان.
أعلم أن تحليلاً كهذا يمكن أن يجرَّ على صاحبه في لبنان اتهاماً بالتخوين ودعوة إسرائيل لاستباحة البلد. لكنّ الحقيقة أنَّه يمكن للمرء أن يكون ضد الاحتلال الإسرائيلي لأي أراضٍ عربية، وضد النظام الإيراني ومشروعه في آن.
من هذه الزاوية، فإنَّ موقف جماعة «حزب الله» الأخير يكمل تحولاً امتد على مدار ربع قرن: من حركة مقاومة مدعومة من إيران لكنَّها تحظى بتأييد شعبي وشرعية داخلية، إلى أداة في السياسة الخارجية الإيرانية ضمن ما يسمى محور الممانعة الذي ضم نظام بشار الأسد في سوريا وميليشيات الحوثي اليمنية وحركة «حماس» وميليشيات «الحشد الشعبي» في العراق. تحول لبنان بالنسبة لـ«حزب الله» خلال تلك السنوات، تحديداً بعد حرب 2006 مع إسرائيل، من قضية رئيسية إلى بيئة حاضنة ينبغي إبقاؤها تحت السيطرة مهما كانت التكلفة، ولكن دون هدف سياسي «لبناني» واضح. ويكفي هنا التذكير بأن جبهة الجنوب بقيت هادئة تماماً لمدة 17 عاماً، ولم يفجرها سوى إسناد «طوفان الأقصى» في غزة، وليس بقاء مزارع شبعا تحت الاحتلال طوال هذه المدة.
وصف حسن نصر الله، أمين عام الحزب، قرار الدخول في الحرب عام 2023 بالمغامرة المدروسة، فانتهت بمقتله هو ومعظم عناصر قيادته، ناهيك بمقتل أكثر من 4 آلاف لبناني وإلحاق دمار هائل ببلد يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية ساحقة.
يقول أنصار الحزب إنَّ إسرائيل كانت تعد العدّة أصلاً لحرب جديدة في لبنان، دون أن يخبرونا كيف أدى قرار الاستباق إلى نتيجة أفضل للبنان، أو حتى للحزب نفسه؟ الواقع أنَّ الحزب تعرّض لأسوأ انتكاسة منذ عقود، نتيجة فشل فاضح في تقدير طبيعة القرار الإسرائيلي تحت هيمنة اليمين المتطرف، وفي إدراك حجم الاختراق الاستخباراتي العميق لمنظومته الأمنية والسياسية.
اليوم فلسطين ليست حتى في عنوان هذه المواجهة، ولكنَّها بالطبع جزء من التفسير. لو لم تحتل إسرائيل فلسطين وتغزو لبنان (لطرد منظمة التحرير الفلسطينية) لما كان هناك داعٍ للمقاومة. لكن هذا لا يبرر مصادرة قرار بلد كامل، ولا يبرر جرّ اللبنانيين إلى حروب خاسرة عسكرياً واقتصادياً حتماً، خصوصاً أنَّ ما حدث في حرب 2023 أثبت عدم قدرة ميليشيا «حزب الله» على فرض ردع فعلي لإسرائيل.
لم يكن هناك في أي يوم من الأيام إجماع شعبي في لبنان على أن يكون البلد رأس حربة الكفاح الإقليمي لتحرير فلسطين، لكن اختياره منصة إطلاق لحركات المقاومة كان مريحاً لنظام الأسد، الذي لم يطلق رصاصة واحدة لتحرير الجولان منذ 1973، وللنظام الإيراني الذي لا يختلف كثيراً عن إسرائيل في تفضيله البقاء في صراعات مفتوحة، حتى إن اختلفت الدوافع والأسباب.
اليوم يجد لبنان نفسه أمام عدوان إسرائيلي قد يمتد إلى بعد انتهاء الهجمات على إيران، لأنَّ الحكومة الإسرائيلية التي يهيمن عليها المتطرفون لا تمانع في إعادة احتلال الجنوب رغم تردد المؤسسة العسكرية. في المقابل، قد يمنح هذا الاحتلال ميليشيا «حزب الله» ذريعة للتمسك بالسلاح لتدور الحلقة من جديد.
بين شقي الرحى يقف العهد الجديد، الذي التزم نزع سلاح الميليشيات وحصر القرار العسكري بيد الدولة، لكن دون قدرة حقيقية على التنفيذ الكامل ما لم يتعاون «حزب الله». حاولت الحكومة، عبر قرار حظر الأعمال العسكرية للحزب، تجنيب لبنان مخاطر الرد الإسرائيلي. وبعدما فشل ذلك، طرح الرئيس جوزيف عون مبادرةً للتفاوض المباشر مع حكومة بنيامين نتنياهو، على قاعدة وقف الحرب وانسحاب الاحتلال من الجنوب. إسرائيل حتى الآن لم ترد.
الحديث اليوم في لبنان عن خيارات أحلاها مر: توجيه الجيش بنزع سلاح «حزب الله»، وهو ما قد يهدد بحرب أهلية، أو تقديم تنازلات لإسرائيل دون القدرة على الوفاء بما تطلبه، أو تحمّل خسائر حرب لم يسعَ معظم اللبنانيين إليها.
هناك بالطبع احتمال أن تنتهي الحرب بسقوط النظام الإيراني أو إضعافه بما فيه الكفاية، ليرفع يده عن جماعة «حزب الله» التي قد تتوقف عندها عن الدفاع عن إيران حتى آخر لبناني.
