سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

مدينة الصادق

استمع إلى المقالة

يُقال، والقول لصاحبه والرواية لراويها، والذمة لأهلها، إن الكتّاب الجيدين يصنعهم كتاب جيدون. وإن التميز في الاجتهاد. وإن خالي الموهبة خالي الوفاض. والفارق يقال بين الكاتب الكبير والكاتب الصغير قامة أو قامتان.

إذا كانت الدقة شرطاً والذمة قياساً. عشت الرحلة المهنية قارئاً بين كاتبين: واحد أتفاداه حتى في الذكر، وواحد أتابعه كجزء من متع الحياة.

في الطبقة الأخيرة أبحث صباح كل يوم سبت عن مطالعات عبد الرحمن شلقم في الأدب والتاريخ والسياسة والفنون. غزير كالشلال ومنعش مثل ينبوع. بحر من الثقافات والحضارات. رقائق الحداثة ورقة القديم.

يأخذنا عبد الرحمن شلقم كل أسبوع إلى ناحية جمالية من نواحيه الإنسانية الرحبة. أفريقي شاعري غنائي يحلق على المشاعر في عالم الحلم والحلم المستاء. عالم غني بلا حدود عالمه. بحر من السماح والانفتاح مع أنه قدم إلى السياسة من متاهات الالتواءات اللفظية وشهوات النقل.

السبت الماضي أبلغنا عبد الرحمن شلقم بأن بنغازي انتخبت مدينة الثقافة العربية لهذا العام. وقبل أشهر كان قد كرس صفحته للحديث عن ألمع اسم أدبي في تاريخ المدينة، الصادق النيهوم. كان الصادق ساحراً من سحرة الأدب والفكر والثقافة والحداثة واللغات. ولو أنه وُلد في مصر لأعطته وأعطت عبقريته الحجم المستحق. لكن ليبيا تلك الأيام كانت بلداً فقيراً على هامش العرب، تبحث لنفسها عن مكان متواضع بقيادة ملك ورع هو محمد السنوسي الأول.

بين حين وآخر، يستعيد شلقم شيئاً من صفحات التاريخ في بهائه القديم وتقطعه الحديث. وقد توقف للأسف في مرحلة الانقطاع الثوري الكامل وظهور ظاهرة «الكتاب الأخضر». الآن حدث السنة الثقافية قد يعيد ليبيا إلى شيء من صورتها العربية، برغم ما تمر به من اضطراب سياسي واجتماعي أو من أحداث تمس جوهر الاستقرار الضائع مثل اغتيال سيف الإسلام القذافي في عملية همجية.